ليس أصعب من أن يؤلمك شيءٌ كنتَ تظنّه ملاذًا، ولا أن يأتي الخذلان من الجهة التي كنتَ تضع عندها قلبك مطمئنًا. فبعض المواقف لا تنتهي بانتهاء حدوثها؛ تظلّ تسكن فينا، تعود كلما مرّ طيفها في الذاكرة، وكأنّ الزمن الذي مضى لم يمضِ حقًا.
كثيرون يقولون: «تجاوز الأمر»، وكأنّ التجاوز قرارٌ يُتخذ في لحظة، أو بابٌ نغلقه ثم نمضي. لكن الحقيقة أن التخطي ليس أن تنسى، ولا أن تتظاهر بأنك لم تتألم، بل أن تصل يومًا إلى تلك النقطة التي تستطيع فيها أن تتذكر ما حدث دون أن يعيدك إلى المكان نفسه.
نحن لا نتعب من الحدث وحده، بل من الأسئلة التي خلّفها وراءه: لماذا فعلوا ذلك؟ لماذا تغيّروا؟ ألم أكن أستحق الوفاء؟ كيف استطاع شخصٌ أحببته أن يكون سببًا في وجعي؟ وأسوأ ما في بعض الخيبات أنها لا تمنحنا إجابات شافية، فنظلّ نعيد المشهد في أذهاننا، نبحث عن جملةٍ لم نقلها، أو موقفٍ كان يمكن أن يتغيّر لو تصرّفنا بطريقة أخرى.
غير أن الحياة لا تُدار بمنطق «لو». وما مضى لا يعود ليمنحنا فرصة تعديل نهايته.
ولعلّ من أجمل ما يعلّمنا إياه القرآن أن الإنسان لا يُطلب منه أن يكون بلا ألم، وإنما أن يعرف كيف يحمل ألمه دون أن يسمح له بأن يهدمه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. فالتكرار هنا ليس زائدًا؛ كأنّ الطمأنينة تحتاج أحيانًا إلى أن تُقال للقلب مرتين حتى يصدقها.
والتخطي لا يعني أن نبرّر لمن خذلنا، ولا أن نمنح كل من آذانا فرصةً جديدة. أحيانًا يكون التخطي الحقيقي هو أن نتوقف عن انتظار الاعتذار، وعن مراقبة من رحل، وعن محاولة فهم شخصٍ اختار ألّا يفهمنا. أن نُدرك أن بعض الأبواب أُغلقت رحمةً بنا، وإن بدت لحظة إغلاقها كأنها خسارة.
وقد قال المتنبي: ,,ما كلُّ ما يتمنّى المرءُ يدركهُ تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفنُ,,
وليس في البيت دعوة إلى الاستسلام، بل إلى مصالحة الإنسان مع حقيقة أن الحياة لن تمنحه دائمًا ما أراد، وأن النضج يبدأ حين نفرّق بين ما نستطيع إصلاحه وما ينبغي أن نتركه يمضي.
ثم إنّ بعض الناس لا يخرجون من التجربة كما دخلوها. الخذلان، مهما كان قاسيًا، يكشف لنا أحيانًا وجوهًا لم نكن نراها، ويعلّمنا أن المحبة لا تعني إلغاء الحدود، وأن الطيبة لا تستوجب أن نسمح للآخرين بإيذائنا، وأن الثقة شيء ثمين لا ينبغي أن تُمنح بلا وعي.
والتخطي، في جوهره، ليس انتصارًا على شخصٍ آخر، بل عودةٌ هادئة إلى الذات. أن تستيقظ ذات صباح فلا يكون أول ما تفكر فيه هو ما حدث. أن تمرّ الصورة التي كانت تؤلمك، فلا تغلق عينيك عنه. أن ترى المكان الذي شهد خيبتك فلا تشعر أنك ما زلت عالقًا فيه. أن تقول: «كان مؤلمًا»، بدل أن تقول: "ما زال يؤلمني". حينها تعرف أنك لم تنسَ؛ لقد شُفيت.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن نفعله تجاه ما كسرنا هو ألّا نسمح له بأن يعرّفنا. فنحن لسنا خيباتنا، ولا الأشخاص الذين خذلونا، ولا الأيام التي انطفأت في أعيننا. نحن ما اخترناه بعد كل ذلك. قد لا نستطيع تغيير ما حدث، لكننا نستطيع أن نختار ما الذي سيحدث لنا بعده.
وهنا يبدأ التخطي الحقيقي: حين نكفّ عن سؤال الماضي: «لماذا فعلتَ بي هذا؟»، ونبدأ بسؤال أنفسنا: "كيف أستعيد نفسي بعد كل هذا؟"
فبعض النهايات لا تأتي لتعلن خسارتنا، بل لتمنحنا فرصة أن نبدأ حياةً لا يكون فيها وجع الأمس هو بطل الحكاية.








اضافةتعليق
التعليقات