تسعة آلاف حالة اعتداء من أزواج على زوجاتهم، مقابل (2235) حالة اعتداء من زوجات على أزواجهن خلال النصف الأول من العام الحالي، بحسب ما أعلنته وزارة الداخلية.
قد تبدو الأرقام للوهلة الأولى مجرد إحصاءات تُضاف إلى سجلات المؤسسات، لكنها في الحقيقة تحكي قصة مجتمع يتغير، وأسرٍ لم تعد الخلافات فيها تُحل بالحوار، بل بالغضب، والصراخ، وأحيانًا بالاعتداء.
اعتدنا، ولسنوات طويلة، أن يكون الحديث عن العنف الأسري مقترنًا بتعنيف الرجل لزوجته. وكانت تلك القضية، وما زالت، تستحق أن تُسلَّط عليها الأضواء، لأن أي اعتداء على المرأة هو انتهاك لإنسانيتها قبل أن يكون اعتداءً على شريكة حياة. ولهذا انطلقت حملات التوعية، وسُنَّت التشريعات، وتعالت الأصوات المطالبة بحماية المرأة من كل أشكال العنف.
لكن الأرقام الأخيرة دفعتنا إلى التوقف أمام مشهد آخر لم يكن حاضرًا بالقدر نفسه في النقاشات المجتمعية.
قد يبتسم البعض ساخرًا، وقد يعتبرها حالات فردية لا تستحق النقاش، لكن أكثر من ألفي حالة خلال ستة أشهر لا يمكن وصفها بأنها مجرد استثناء. إنها رسالة تقول إن العنف لم يعد يرتدي وجهًا واحدًا، وإن الأسرة أصبحت تخسر من جميع الاتجاهات.
وهنا يبرز سؤال أكثر عمقًا...
هل ما نشهده اليوم هو نتيجة طبيعية لسنوات طويلة من هيمنة بعض الرجال على النساء، حتى إن بعض الزوجات خلعن رداء الضحية وارتدين رداء الجانية؟ هل تحولت الرغبة في استعادة الحقوق، عند بعضهن، إلى رغبة في فرض السيطرة؟ أم أن القضية أكبر من ذلك بكثير؟ وربما يكون السبب في مكان آخر.
لقد دخلت إلى بيوتنا أفكار جديدة، بعضها يحمل شعارات براقة عن الحرية والاستقلال، لكنها في التطبيق اليومي دفعت بعض الأزواج والزوجات إلى الاعتقاد بأن الحياة الزوجية معركة يجب أن يكون فيها منتصر ومهزوم. وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي، في كثير من الأحيان، تصنع أبطالًا للجدال، لا قدوات للحوار. نرى مقاطع تشجع على "كسر الطرف الآخر"، أو تروّج لفكرة أن التنازل ضعف، وأن الاعتذار هزيمة، حتى أصبح بعض الأزواج يدخلون إلى بيوتهم بعقلية الخصم، لا بعقلية الشريك.
وفي المقابل، ما زالت بعض العقليات القديمة ترى أن الرجل يملك حق فرض رأيه بالقوة، وأن الرجولة تُقاس بارتفاع الصوت لا بسمو الأخلاق. وبين هذا الإفراط وذاك التفريط، ضاعت المعادلة التي قامت عليها الأسرة منذ البداية: المودة والرحمة.
العنف، في حقيقته، لا يبدأ بصفعة، بل يبدأ عندما يموت الاحترام. يبدأ بكلمة جارحة، وسخرية متكررة، وإهانة أمام الأبناء، واحتقار لمشاعر الطرف الآخر، ثم يكبر شيئًا فشيئًا حتى تصبح اليد امتدادًا للسان، ويصبح الاعتداء نتيجة متوقعة لعلاقة فقدت أساسها.
والخاسر الأكبر في كل ذلك ليس الزوج ولا الزوجة، بل الطفل الذي يكبر وهو يرى أن الصراخ هو اللغة الطبيعية للخلاف، وأن القوة هي الطريق الأسرع للحصول على ما يريد. وعندما يكبر، يحمل هذه الصورة معه، ليكررها في بيته، فنكون قد صنعنا جيلاً جديدًا يتوارث العنف كما يتوارث الملامح.
إن قراءة هذه الأرقام يجب ألا تدفعنا إلى الانحياز لطرف على حساب آخر، فالقضية ليست منافسة بين الرجل والمرأة، وليست معركة لإثبات من هو الضحية الأكبر. إنها دعوة صريحة لمراجعة الطريقة التي أصبحنا ننظر بها إلى الأسرة، وإلى مفهوم الشراكة، وإلى معنى القوة الحقيقي.
ولعل البداية تكون بالاعتراف بأن أي عنف، مهما كان مصدره، هو فشل في إدارة العلاقة، لا انتصار فيها. ثم بالاستثمار في التوعية الأسرية قبل الزواج وبعده، وتعليم الأزواج مهارات الحوار وإدارة الخلاف كما نتعلم أي مهارة حياتية أخرى. كما أن للإعلام، والمدرسة، والمؤسسات الدينية والاجتماعية، مسؤولية في ترسيخ ثقافة الاحترام، وتصحيح الرسائل التي تروّج للهيمنة أو الانتقام أو كسر الشريك. ولا يقل أهمية عن ذلك توفير مراكز للإرشاد الأسري والدعم النفسي، لتكون الملاذ الأول عند تفاقم الخلافات، بدل أن تكون أقسام الشرطة والمحاكم هي المحطة الأخيرة.
فالبيت لا يحتاج إلى رجل أقوى من زوجته، ولا إلى امرأة أقوى من زوجها، بل يحتاج إلى إنسانين يدركان أن الكرامة لا تتجزأ، وأن الاحترام ليس تنازلًا، وأن الحوار ليس ضعفًا. وحين نؤمن بهذه المبادئ، لن تكون الأرقام القادمة أقل قسوة فحسب، بل ستكون أسرنا أكثر قدرة على أن تبقى كما أرادها الله... سكنًا ورحمة، لا ساحة صراع.








اضافةتعليق
التعليقات