في هذه الأيام، حين يثقل القلب بذكرى رحيل رسول الله محمد ﷺ، أشعر أن الكتابة عنه ليست أمرًا سهلًا… كيف أصف رسولًا لم يكن في تاريخنا فقط، بل كان وما زال في وجداننا، في صلواتنا، في شهادتنا، وفي كل مرة نذكر فيها اسمه فتتبعه الصلاة عليه دون أن نشعر؟
النبي محمد ﷺ ليس ذكرى عابرة تمر بنا ثم تمضي، بل هو نورٌ كلما مر اسمه على القلب استيقظ فيه شيء من السكينة، وكلما أعدنا قراءة سيرته أدركنا كم نحن بحاجة إلى أن نتعلم من أخلاقه، ونقترب من هديه، ونبحث عن أثر رسالته في تفاصيل حياتنا.
وفي قلبي، لا ينفصل حب رسول الله ﷺ عن محبة أهل بيته الطاهرين عليهم السلام؛ فهما عندي حبٌّ يتصل بعضه ببعض، ويقود بعضه إلى بعض. وما أجمل أن يبقى حبنا للنبي ﷺ مقرونًا بحب عترته والتمسك بهديهم، وأن نحاول، بقدر ما نستطيع، أن نكون أوفياء لما تركه لنا من نور ووصية وطريق.
فالنبي ﷺ لم يكن سيرة نقرأها فحسب، بل كان رحمة نتعلم منها، وأخلاقًا نحاول أن نقتدي بها، ورسالة نتمنى أن يبقى أثرها حاضرًا في تفاصيل حياتنا.
لكنني، في ذكرى استشهاده، أتساءل: ماذا يعني أن نقول إننا نحب رسول الله ﷺ؟
هل تكفي الصلاة عليه؟ هل تكفي الدموع حين نسمع مظلوميته؟
هل يكفي أن نكتب عنه في أيام وفاته، ثم نعود إلى حياتنا القديمة وكأن شيئًا لم يحدث؟
ربما تبدأ المحبة الحقيقية من سؤال أكثر إيلامًا: كم بقي من النبي محمد ﷺ في أخلاقنا؟
حين نغضب… هل نتذكر رحمته؟
حين نملك سلطة على إنسان… هل نتذكر تواضعه؟
حين يخطئ في حقنا أحد… هل نتذكر عفوه؟
حين نختلف مع قريب أو صديق… هل نتذكر كيف كان ﷺ يؤلف القلوب ولا يكسرها؟
حين نربي أبناءنا… هل نربيهم على الحنان الذي كان يفيض منه؟
وحين نرى ضعيفًا أو محتاجًا… هل نتذكر أن رسول الله ﷺ لم يكن ينظر إلى الناس من مواقعهم الاجتماعية، بل كان يرى الإنسان فيهم، ويحفظ كرامتهم، ويجبر خاطرهم؟
هنا تصبح السيرة مرآة لنا. ولعل أصعب سؤال يمكن أن نضعه أمام قلوبنا في ذكرى رسول الله ﷺ هو:
لو وقف نبينا ﷺ أمامنا اليوم، هل سيتعرف إلى أخلاقنا؟
هل سيرى فينا شيئًا من صدقه؟ شيئًا من رحمته؟ شيئًا من حيائه؟ شيئاً......
هذه الأسئلة توجعني أكثر من خبر الرحيل نفسه؛ لأن الحزن على رسول الله ﷺ لا ينبغي أن يكون مجرد حزن على غياب جسده، وإنما حزن على المسافة التي قد تكون بيننا وبين أخلاقه وهديه.
فالرسول ﷺ لم يترك لنا تاريخًا نقرأه في مواسم الحزن ثم نطوي صفحاته، ولم يترك لنا سيرة نستذكرها عند المصاب ثم نغلق كتابها في بقية أيام السنة. لقد ترك رسالة امتد نورها من بعده، وترك في أمته معالم تحفظ للرسالة معناها، حتى لا تتحول إلى مجرد ذكرى.
ومن هنا، فإن الوفاء الحقيقي للنبي ﷺ لا يكون بكثرة ما نقوله عنه فقط، وإنما بما يبقى منه فينا.
أن نكون رحماء حين نستطيع أن نكون قساة. أن نعفو حين يكون الانتقام أسهل. أن نصدق حين يكون الكذب أكثر منفعة. أن نحفظ كرامة من هم أضعف منا. أن نكون أمناء حين لا يرانا أحد.
وأن نجعل من محبتنا للنبي ﷺ شيئًا يراه الناس في أخلاقنا قبل أن يسمعوه في كلماتنا.
وفي ذكرى استشهاده، لا أريد أن أكتب عنه ككاتبة تقف خارج الحكاية، وإنما أريد أن أكتب عنه كإنسانة تشعر أن بينها وبين هذا الإنسان العظيم، وهذا النبي الكريم، عهدًا قديمًا… عهدًا بدأ من الصلاة عليه، وكبر مع حب أهل بيته، وما زال يطالبني كل يوم بأن أكون أفضل.
يا رسول الله… نعرف أن الكلمات أصغر من مقامك، وأن الدموع لا تفي حق مصابك، وأننا مهما كتبنا عنك سنبقى عاجزين عن بلوغ حقيقة نورك.
لكننا نسعى أن نحبك كما ينبغي، وأن نحب أهل بيتك كما أوصيت، وأن نحمل من أخلاقك شيئًا إلى عالم أصبح في أمسّ الحاجة إلى رحمتك، وإلى سيرتك، وإلى ذلك الخلق العظيم الذي وصفك الله به في كتابه الحكيم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ، سورة القلم.








اضافةتعليق
التعليقات