ليست كلُّ القيود أصفادًا تُرى، ولا كلُّ السجون جدرانًا تُغلَق خلفها الأبواب؛ فبعض القيود تُصاغ من كلماتٍ ناعمة، وتُغلَّف بشعاراتٍ براقة، حتى تبدو للناس وكأنها أبوابٌ مفتوحة، بينما هي في حقيقتها جدرانٌ لا تسمح للإنسان بالعبور إلا إذا تخلّى عن شيءٍ من ذاته.
ولعلّ أكثر الشعارات التي تستحقّ التأمّل هو شعار الحرية؛ تلك الكلمة التي نحبّها جميعًا، ونختلف كثيرًا حين نصل إلى معناها الحقيقي. فهل الحرية أن يعيش الإنسان كما يريد، أم أن يعيش كما نريد له أن يكون؟ وهل يكفي أن نمنحه حقّ الاختيار نظريًّا، ثم نضع أمام اختياره شروطًا تجعل ممارسته مستحيلة؟
هنا تبدأ الحكاية، أو لعلّها تبدأ من سؤالٍ أكثر إيلامًا: هل نؤمن فعلًا بحرية الإنسان، أم نؤمن بحريته ما دام يختار ما يرضينا؟
تخيّلوا فتاةً تقف أمام باب مدرستها، تحمل كتبها وأحلامها، وفي قلبها رغبةٌ بسيطة في أن تتعلّم، وأن تبني مستقبلها، وأن تكون يومًا ما طبيبةً أو عالمةً أو كاتبة. لكنّ بينها وبين مقعدها الدراسي حاجزًا لم يكن في كتابٍ من كتب العلم، ولا في امتحانٍ من امتحانات الحياة؛ إنّه لباسها الذي اختارته تعبيرًا عن إيمانها.
فأيّ مفارقةٍ هذه؟ أن تقف المعرفة، التي يفترض أن تحرّر العقول من الجهل، عاجزةً عن احتضان فتاةٍ بسبب مظهرها الديني! ليست هذه الصورة مجرّد مشهدٍ عابر؛ إنّها تختصر سؤالًا كبيرًا عن العلاقة بين الحرية والهوية، وعن الحدود التي ينبغي ألّا تتجاوزها سلطة القانون حين تقترب من ضمير الإنسان.
حين تُوضَع الحرية أمام امتحانها
عاد الجدل بشأن الحجاب في أذربيجان، ولا سيّما في المؤسسات التعليمية، ليطرح تساؤلاتٍ تتجاوز حدود الزيّ المدرسي إلى جوهر الحقوق الفردية. ففي بلدٍ ذي أغلبية مسلمة ونظامٍ علماني، تثير القيود المتعلقة باللباس الديني نقاشًا حساسًا حول معنى العلمانية، وحدود تنظيم المؤسسات، وحقّ المرأة في التعبير عن قناعاتها.
ومن المهمّ ألّا نختزل المشهد بالقول إنّ الحجاب محظور في كلّ أذربيجان؛ فالمسألة ترتبط بسياقاتٍ وإجراءاتٍ تعليمية محدّدة، وبالجدل حول تطبيق قواعد الزيّ المدرسي. لكنّ السؤال الأخلاقي يبقى حاضرًا كلّما أدّت هذه القيود إلى حرمان طالبةٍ من التعليم أو وضعت المرأة أمام خيارٍ قاسٍ بين مظهرها الديني ومستقبلها.
وهنا لا يعود النقاش حول قطعة قماش، بل حول إنسانٍ كامل: عقلٍ يريد أن يتعلّم، وطموحٍ يريد أن يكبر، وقناعةٍ يريد صاحبها أن يعيشها من دون أن يُضطرّ إلى الاعتذار عنها. أنّ احترام الدين لا يعني فرضه على الآخرين. فالمجتمع العادل هو الذي يحمي حقّ المرأة في الحجاب، وحقّ المرأة في عدم ارتدائه، من دون أن يجعل أيًّا من الخيارين ثمنًا للكرامة أو التعليم أو العمل.
فإذا كانت الحرية تعني أن تختار المرأة، فلماذا تصبح حريتها موضع شكّ حين تختار ما لا ينسجم مع تصوّرات الآخرين؟
الحرية التي ترتدي وجهًا آخر
إنّ أخطر ما يمكن أن يحدث للحرية هو أن تتحوّل إلى امتيازٍ تمنحه السلطة لمن يشبهها، وتحجبه عمّن يختلف عنها. عندها لا يعود الاختلاف حقًّا، بل يصبح عبئًا، ولا تعود القوانين وسيلةً لحماية الإنسان، بل قد تتحوّل، إذا غابت العدالة والتناسب، إلى أدواتٍ تضغط عليه كي يتخلّى عن خصوصيته.
وليس الدفاع عن الحجاب دفاعًا عن مظهرٍ بعينه بقدر ما هو دفاعٌ عن مبدأٍ أوسع: ألّا يُعاقَب الإنسان على قناعةٍ لا تعتدي على حقوق غيره، وألّا يُحرم من فرصته في بناء مستقبله بسبب هويته الدينية.
فالمرأة ليست أقلّ ذكاءً لأنّها محجّبة، ولا أكثر تحرّرًا لأنّها غير محجّبة؛ قيمتها فيما تملك من عقلٍ ووعيٍ وكفاءةٍ وإنسانية، لا في أن تتطابق مع صورةٍ يفرضها المجتمع أو السلطة. ومن الظلم أن نستبدل إكراهًا بإكراه، ثم نحتفل لأنّ الإكراه الجديد يحمل اسمًا أكثر حداثة.
إنّ احترام الاختيار لا يعني أن نتّفق مع كلّ ما يختاره الآخرون، بل أن نعترف بحقّهم في الاختيار، حتى حين تختلف قناعاتهم عن قناعاتنا. فهذه هي اللحظة التي تُختبر فيها المبادئ حقًّا؛ لا حين ندافع عمّن يشبهنا، بل حين نحمي حقّ من يختلف معنا.
ما وراء الحرية؟
ما وراء الحرية هو الإنسان؛ كرامته، وضميره، وحقّه في ألّا يُختصر في مظهره، أو يُحاصَر بسبب معتقده، أو يُجبَر على دفع ثمنٍ من مستقبله لقاء تمسّكه بقناعةٍ شخصية.
وما وراء الحرية أيضًا مسؤوليةٌ أخلاقية تجعلنا نراجع الشعارات قبل أن نردّدها، ونقيس القوانين بآثارها على البشر، لا بجمال الكلمات التي كُتبت بها.
فليس التقدّم أن نجعل الجميع نسخةً واحدة، وليس التحضّر أن نخفي مظاهر الاختلاف، وليس الانتصار لحقوق المرأة أن نقرّر عنها ما ينبغي أن ترتديه. التقدّم الحقيقي أن تتّسع المدارس للعقول المختلفة، وأن تتّسع المجتمعات للهويات المتنوّعة، وأن يكون القانون مظلّةً تحمي الجميع، لا بابًا يُفتح لبعضهم ويُغلق في وجه الآخرين.
فالحرية التي تسمح لكِ بأن تنزعي حجابك، ثم لا تسمح لكِ بأن ترتديه، لم تمنحكِ حقّ الاختيار كاملًا؛ بل اختارت عنكِ، ثم طلبت منكِ أن تسمّي ذلك حرية.
وتلك هي الحكاية التي تستحقّ أن نتأمّلها طويلًا: ليس كلّ ما يُرفع باسم الحرية حرية، وليس كلّ ما يلمع في واجهة الشعارات عدلًا. فحين يُصبح على الإنسان أن يتخلّى عن جزءٍ من هويته كي يُسمح له بالعبور، علينا ألّا نسأل فقط: أيّ طريقٍ اختار؟ بل أن نسأل أيضًا: من الذي وضع الحواجز في طريقه، وبأيّ حقّ؟








اضافةتعليق
التعليقات