وَرَدَ في زيارة النبي صلى الله عليه وآله عبارة: "اُصِبنا بكَ ياحبيبَ قلوبِنا، فما أعظمَ المصيبةَ بكَ! حيثُ انقطعَ عنَّا الوحيُ، وحيثُ فقدناكَ" .
ففي اليوم الذي التحق رسول الله صلى الله عليه وآله بالملأ الأعلى فقد المسلمون الوحيَّ الإلهي، أقدس علاقة بين السماء والأرض، وأغزرها خيرا، ونعمة للإنسانية، فلا وحيّ بعد خاتم الأنبياء؛ ولن تحظى البشرية بذلك الفيض الإلهي مرة أخرى، وقد عبّر جبرئيل عن هذه الحقيقة المرّة في وداعه للنبي: "هذا آخر هبوطي الأرض، وإنّما كنتَ أنت حاجتي من الدنيا ".
هرع المسلمون إلى بيت النبوة في صباح يوم الإثنين الدامع وهم في حالة من الحزن والذهول، تمرّ بخيالاتهم ذكريات صاحب الوجه الذي يُستسقى به الغَمام، رسول عاش بينهم كأحدهم، يغمرهم برأفته، ويهديهم بهداه.
سنوات مرّت كالحلم رغم ما اكتنفها من تعب الجهاد، فما كانوا يضعون أسلحتهم بعد غزوة إلا حملوها ليخوضوا أخرى، حتى نكّسوا - بقيادته الرشيدة - رايات المشركين، فاندحرت جبهتهم، بفتح مبين، ودخل الناس في دين الله أفواجا.
لكنّ النبي صلى الله عليه وآله أبتُليَ بجبهة أخطر تأثيرا على الإسلام ومستقبل الدعوة وهي جبهة المنافقين؛ وتكمن خطورتها بخفائها، وتلبّسها برداء الإسلام، وإن أكثر أفرادها خطرا كانوا يشكّلون الحلقة الأقرب من الرسول صلى الله عليه وآله تحت مسمّى الصحابة، وما أُضفيَ على ذلك الوصف من هالة القداسة!
فلم تزل تلك الجبهة تحوك المؤامرات للرسول ولرسالته حتى في ساعاته الأخيرة، وسيكون لها الحضور الخطير في ذلك الوقت المفصليّ من حياة الأمة، وستقبض على زمام الأحداث بيد من حديد بتآمرها على الخطّ الشرعي للسلطة الذي عيّنته السماء، وبلّغه الرسول صلى الله عليه وآله في حجة الوداع.
كان النبي صلى الله عليه وآله يدرك جذور التآمر ودوافعه، ولم يمنعه المرض في أيامه الأخيرة من القيام بإجراءات احترازية ليجهض ذلك المخطط الإجرامي بما تمليه عليه مسؤوليته الرسالية.
فقام صلى الله عليه وآله قبل وفاته بيومين بتجهيز سرية تضمّ المهاجرين والأنصار، بما فيهم تلك المجموعة من المنافقين، وشدّد عليهم بالخروج، وأمّر عليهم القائد الشاب أسامة بن زيد، وقال له: "سر إلى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد ولّيتك هذا الجيش ....".
ولم يشغله ثقل الحمى والمرض عن الاهتمام بخروج الجيش، فكان يردد: "جهزوا جيش أسامة لعن الله من تخلّف عنه" لتدرك الأمة خطورة الموضوع !!
لقد أراد النبي صلى الله عليه وآله بهذا الإجراء أن يُخلي المدينة من المتآمرين الذين سيشكلون حزبا معارضا يعيق الخليفة الشرعي عن استلام السلطة بعد رحيله !
لكنّ أولئك الطامعون أخذوا يسوّفون في الخروج، ثم ما لبثوا أن تسلّلوا إلى المدينة تحت جنح الظلام عندما وصلتهم الأنباء باشتداد مرضه غير مبالين بمخالفته!
وقد علم النبي صلى الله عليه وآله برجوعهم فأفاق من إغمائه وهو يقول: "لقد طرق ليلتنا هذه المدينة شر عظيم"!.
وبعد أن اشتدّ به المرض، واجتمع الناس لعيادته، وفيهم المتخلّفون فلامهم، وأنّبهم على تخلّفهم لكنهم واجهوه بأعذار واهية لا تبرر تمرّدهم على أوامره.
وأراد صلى الله عليه وأله في ذلك الوقت العصيب أن يقوم بإجراء آخر يحبط من خلاله المؤامرة السياسية التي بدأت ملامحها تظهر بوضوح، فقال لمن حضر عنده: " إيتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتابا لا تضلون بعده أبدا".
فلم ينفّذوا طلبه، بل واجهوه بقول يعكس جرأتهم عليه وطعنهم في عصمته، تلك الحادثة التي يسمّيها ابن عباس "رزية يوم الخميس"، ويبكي حين يتذكرها ويقول: "إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب" .
وما أن لفظ النبي صلى الله عليه وآله أنفاسه الطاهرة حتى أسرع المتآمرون ليضعوا مخططهم موضع التنفيذ في مؤامرة مشؤومة غيّرت مجرى الأحداث إلى هذا اليوم !
توجّهوا إلى سقيفة بني ساعدة عندما وصلتهم أنباء عن اجتماع الأنصار، قال الطبريّ: "اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة وتركوا جنازة الرسول يغسّله أهله" .
واحتدم النقاش بين الوعد والوعيد، والمساومة والتهديد، لينتهي بالبيعة للأول، وجاءوا به إلى المسجد يزفّونه زفا ليبايعه عامّة الناس!
سمع الإمام عليّ وعمّه العباس أصوات التكبير ولم يفرغوا بعد من غسل رسول الله صلى الله عليه وآله، وجاء البراء بن عازب فضرب الباب مناديا: "يا معشر بني هاشم، بُويِعَ أبو بكر"!
فقال العباس:" فعلوها وربّ الكعبة" .
نعم فعلوها، ونكثت الأمة عهد نبيّها في وصيّه الشرعيّ !
فلا نعجب إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله يغمره الأسى في أيّامه الأخيرة؛ كان يعلم أن رحيله هو فاتحة الرزايا على أهل بيته، فوصيّه الشرعي سيُقصى من منصبه، وسيعلو منبره خليفة تقمّص الخلافة بالقهر والغلبة وهو لم يُدفن بعد!
وأن ذريته ستكون في مهبّ البلاء مابين مقتول بالسمّ، أو مذبوح بالسيف، أو مغيّب في ظلام المطامير، أو مشرّد في أصقاع الأرض كأنما المأوى عليه حرام!.








اضافةتعليق
التعليقات