لاشك إنّ المحيط الذي يحتضننا صغارا له تأثير فعّال على تشكيل شخصياتنا، وصياغة وجداننا، سلبا أو إيجابا، وما تغرسه العائلة - لا سيّما الأم - في أعماقنا يظلّ راسخا مهما امتدّ بنا العمر، ولا بدّ أن نقطف ثمرات ذلك الغرس في أفكارنا وتصرفاتنا، ورغم ما تنطوي عليه شخصياتنا من خصوصية فإننا نلمس -وبوضح- انعكاس ذلك الماضي البعيد على مرآة الحاضر!
الحمد لله إننا ولدنا، وترعرعنا في بيئة موالية لأهل البيت، ومن نعومة أظفارنا تضافر عامل البيئة مع الفطرة السليمة لنفهم من خلالهما عقيدتي التولّي والتبرّي التي تُعتبر من أساسيات وركائز عقيدتنا؛ أدركنا مبكّرا من هم أعداء آل محمد، عرفناهم بأسمائهم، ومن دون أن يلقّننا أحد صرنا نبغضهم، نتبرأ منهم
ونلعنهم!
في طفولتي كان شعور الولاء يتأكّد في أعماقي عندما يحلّ موسم عاشوراء، وأرى الاستعدادات في حيّنا لموسم الحزن والعزاء؛ كانت الرايات تُعلّق على أعمدة الكهرباء، وعلى أسطح البيوت والأبواب، الأزّقة الضيّقة تفرش بحصران الخوص وبواري القصب، تُكسى الجدران بالسواد، وتُنصب المنابر .
كان لكل فئة عمرية مجلسها الخاص، الفتيان، والشباب والكبار، والكل منخرط في سلك العزاء، قد لبسّوا السواد، وشمّروا سواعد الخدمة بلا كلل أو ملل .
كانت تلك المشاهد تبهرني، وتجعل قلبي الصغير ينبض بشعور خاص مزيج من الفرح المشوب بالأسى والحزن!، كنت أفرح بثوبي الأسود لكنّي كنت أميّز إنّه فرح من نوع آخر؛ لا يشبه فرحي بثوب العيد، فرح بلون الحزن ووقاره.
كانت أمي تخبرنا إننا نلبس السواد مواساة لسيدتنا الزهراء عليها السلام؛ فهي في مثل هذه الأيام حزينة باكية ترتدي السواد، وتقيم المأتم على أبنائها الذين قتلهم يزيد في كربلاء عطاشى؛ فنحن نرتدي السواد ونبكي تأسّيا بها، ولنسعد بمواساتنا قلبها الحزين، كانت كلماتها بسيطة وعفوية ولكنها كانت كفيلة بأن تخترق أعماقنا وتستقرّ في موضع النبض من قلوبنا !
أمي التي كانت ترفض - بحزم لا يلين - اصطحابنا معها عندما تخرج في زيارة أو دعوة مهما بكينا أو توسلّنا، لكنها كانت في أيام العشرة الأولى حريصة على اصطحابنا معها لمجالس العزاء، ذلك الحضور الذي كان يغمرني بشعور أعجز عن وصفه؛ حيث تمتزج فرحتي الدامعة وانكسار قلبي بهيبة المجلس المجلّل بالسواد !
كنت أبكي لبكائها عندما كنت لا أفهم مايُقال، وعندما صرت أفهم كنت أغصّ بدموعي، وأشهق بعبراتي حتى تشفق أمي عليّ عندما ترى شدّة تأثري ولوعتي،
كبرتُ وصرتُ أحفظ القصائد التي أسمعها في المجلس وأردّدها عندما أعود للبيت، حتى أنني حفظت أراجيز أبطال الملحمة الحسينية التي تضمّنتها قصة مقتل الإمام الحسين عليه السلام، وكنت أرددها بفخر:
أنا الحسين بن علي
آليتُ أن لا أنثني
أحمي عيالات أبي
أمضي على دين النبي
ويذوب قلبي شجنا مع أرجوزة عبد الله بن مسلم بن عقيل:
اليوم ألقى مسلما وهو أبي
وفتية بادوا على دين النبي
أما أرجوزة ذلك الفتى الصغير فقد صارت ترتيلتي وهوية انتمائي:
أميري حسين ونعم الأمير
سرور فؤاد البشير النذير
عليّ وفاطمة والداه
فهل تعلمون له من نظير؟
لقد شكّلت أيام عاشوراء وعينا، وتركت بصماتها على شخصيتنا، وصاغت موقفنا الولائي، فصرنا بفضلها ثابتين رغم ماواجهنا ونواجهه من تحدّيات تحاول مسخ شخصياتنا، وتمييع انتمائنا، وزعزعة ثوابتنا!
أيها الآباء والأمّهات حدّثوا صغاركم بحديث عاشوراء، اغرسوا في أعماقهم حب الحسين والبكاء على مصابه، ألبسوهم السواد، شجّعوهم على حضور مجالس العزاء، والخدمة فيها، علّموهم حرمة أيام العزاء وقدسيّتها وآدابها، ولا تأخذكم في عشق الحسين لومة لائم!
لا تصدّقوا أن ذلك سيعقّدهم أو أن مظاهر الحزن ستؤثر سلبا على نفوسهم كما قد يدّعي البعض، بل على العكس فإنّ في ذلك خيرهم، وصلاحهم، وبوصلة تهديهم في تَيْه الأيام، وظلامها.
عشق الحسين جُنّة من شرور الدنيا، وما يضعه شياطين الإنس، وأبالسة الباطل في الطريق من فتن وعثرات!
كل ما يتعلّق بالإمام الحسين عليه السلام هو منبع لفيوضات لا تنضب، وبركات لا تفنى؛ فهو مصباح الهدى الذي ينير للسالكين منعطفات الحياة الوعرة، وهو سفينة النجاة حيث لا جبل يعصم من هلاك حتميّ.
وحده طريق العشق الحسينيّ يُفضي إلى الكون الأرحب، والفوز الأبديّ لمن أمضى حياته سائرا في ذلك الطريق بيقين راسخ، وعزم لايلين ..








اضافةتعليق
التعليقات