في قولٍ للإمام السجاد عليه السلام يصف فيه عمّه العباس عليه السلام:
"رحم الله عمّي العبّاس فلقد آثر وأبْلى وفدى أخاه بنفسه حتّى قُطعت يداه، فأبدله الله بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة، كما جعل لجعفر بن أبي طالب، وإنّ للعبّاس عند الله تبارك وتعالى لمنزلةً يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة" .
الإيثار فضيلة من أثمن الفضائل النفسية وأجملها، لأنها تعكس نُبل الأنسان، وحبه للعطاء وتحقيق الخير للآخرين، وتقديم رفاهيتهم وراحتهم على حساب رفاهية نفسه وراحتها!
فما الذي يدفع الإنسان إلى هذا السلوك الاستثنائي، خصوصا عندما يكون في أمسّ الحاجة للشيء الذي يؤثر به غيره، أو عندما يجود بالنفس وهي أقصى مراتب الجود؟
لا بد من وجود دافع ومحرّك؛ لأن الأنسان مجبول على حب نفسه، ورعايتها وتقديم ما فيه صالحها، والخوف عليها من كل طارئ يؤذيها !
إن الإيثار لا يتنافى مع حب الذات، بل هو في حقيقته حب للذات، لكنّه حبا واعيا ذكيّا؛ يضحّي الإنسان من خلاله بمصلحته الخاصة في حياة محدودة فانية، متطلّعا إلى المستقبل البعيد الذي يرى فيه عاقبة تضحيته، حيث يُضاعف له العطاء، ويُستبدل الجزاء الفاني بجزاء خالد لا يفنى!
هذا النمط من التفكير لا ينسجم مع التفسير المادي المحدود الذي يرى أن الإنسان يفنى بفناء حياته؛ بل ينسجم مع المفهوم الإسلامي الذي يعتبر الدنيا مزرعة للآخره، وما يزرعه الإنسان فيها من خير أو شرّ سيجني ثماره في آخرته إما سعادة خالدة، أو شقاء أبديّ !
من هنا نفهم أن أهم دافع للإيثار هو أن يتملك من يتّصف بهذه الصفة مستوى راقٍ من الإيمان بالله، يقول الإمام علي عليه السلام: " الإيثار أحسن الإحسان، وأعلى مراتب الإيمان" .
ومن يؤمن بالله تعالى فهو حتما يؤمن باليوم الآخر، وهذا الإيمان سيولّد في قلب الإنسان حسن الظن بالله تعالى، والأمل بالتعويض الإلهي خصوصا في الآخرة؛ التي يكون العطاء فيها غير محدود، ولا مقطوع!
ولأن الإيثار أحد ثمار الإيمان بالله تعالى، فقد دعت إليه الديانات السماوية كلها، وسعت إلى ترسيخ ثقافة العطاء والإحساس بالآخرين لما لها من نتائج إيجابية في تقوية الروابط والعلاقات الإنسانية بين الأفراد، وتحقيق الشعور بالطمأنينة والسلام الداخلي في المجتمع، عكس تفشي روح الأنانية التي تجعل الإنسان طمّاعا، منشغلا بنفسه ومتطلباتها، غير مكترث بالآخرين وحقوقهم، مبدأه في الحياة: "أنا ومن بعدي الطوفان".
عندما نتحدث عن الإيثار فلا نعني به ذلك السلوك الطارئ الذي يكون ناتجا عن انفعال وقتي، أو ردود فعل لواقعة معينة، بل نقصد ما كان سجيّة في الإنسان؛ والسجيّة هي الصفة التي تكون عفويّة وتلقائية في صاحبها لا يحتاج فيها إلى جهد أو تكلّف لأنها أصبحت جزء فطريّ في وجوده وتركيبته النفسية، كما وصفها الإمام علي عليه السلام بقوله: "الإيثار سجية الأبرار، وشيمة الأخيار ".
وقد ترتقي مراتب الإيثار وصولا إلى أسمى درجاتها فيكون الإنسان على استعداد لأن يضحّي بنفسه النفيسة ويجود بمهجته، كما فعل الإمام علي عليه السلام حين بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة الهجرة، موطنا نفسه على الفداء والتضحية غير عابئ بصناديد قريش، وسيوفهم المشهورة، وقد تربّصوا بالرسول ووضعوا الخطة المحكمة والخبيثة لقتله؛ فباهى الله به ملائكته وأنزل في مدحه قرآنا يُتلى آناء الليل وأطراف النهار!
{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَشۡرِی نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ }
وقد ورث العباس عليه السلام عن أبيه هذه السجية فكان نموذجا فريدا في الإيثار والموساة، ونكران الذات، وتقديم النفس قربانا لإمامه وقائده؛ إذ لم تكن علاقة الرحم ووشائج الأخوة الدافع لإيثار العباس عليه السلام؛ بل كان دافعه الإيمان الراسخ بالله، والمعرفة العميقة بإمام زمانه، كما ورد في أول عبارة في زيارته: "السلام عليك أيها العبد الصالح، المطيع لله ولرسوله، ولأمير المؤمنين والحسن والحسين صلى الله عليهم وسلم".
هذا الإيمان الصلب عززته بصيرة نافذة امتلكها العباس عليه السلام كما وصفه الإمام الصادق عليه السلام: " كان عمّنا العباس نافذ البصيرة، صلب الإيمان".
والبصيرة تعني الإدراك الواسع، وعين القلب التي تمنح صاحبها القدرة على استشراف المستقبل من الواقع المعاش، والنفاذ إلى حقائق الاُمور وأسرار الوقائع؛ فتنكشف لصاحب البصيرة النافذة خفايا الغيب؛ فيرى ما لا يراه سواه.
كان الإيثار والوفاء والمبالغة في المواساة والنصيحة عناوين نبيلة رسمت أبعاد شخصية العباس عليه السلام؛ لذا كان له في ملحمة الطف مشاهد حيّرت العقول وأذهلت الألباب، وألهمت الشعراء وأطلقت قرائحهم فنظّموا في عشقه مئات القصائد!
وما رميه لشربة الماء التي اغترفها حين خاض عباب الفرات، وملك ماؤه في وقت كضّه العطش، وكان كبده كصالية الجمر إلا تجلٍ باهرٍ لإيثاره ومواساته. أما بطولته فتشهد لها سوح الوغى، وكان لواؤه في سماء الطفّ يثير الرعب في القلوب، وسيفه يطوي الصفوف طيّ السجل.
شجاعة امتزجت بما ينطوي عليه قلبه الكبير من مشاعر الرقة والحنان وخفض الجناح للنساء والأطفال؛ فكان هو المرشّح لكفالة الضعن الحسيني، وكانت دمعة واحدة في جفن طفل يشعر بالظمأ، أو أنّة تنطلق من علوية أثقل الهمّ صدرها كفيلة بأن تحرّك حميته العلوية، ونخوته الهاشمية وتدفعه لخوض غمار الموت، وتقديم الروح قربانا رخيصا!
حتى تفاصيل شهادته عليه السلام لا تشبه شهادة أخرى في الملحمة الحسينية؛ فقد وهب للسيف كفّيه، وللسهم عينه، ولعمود الحديد هامته الشريفة، فارتقت جوارحه قبل روحه وصولا إلى حضيرة القدس حيث المنزلة السامية التي خصه الله بها في عليين، تطوف به الزاكيات الطيبات غدوّا ورواحا، ويغبطه عليها جميع الشهداء من الأولين والآخرين!.








اضافةتعليق
التعليقات