كان الإمام الكاظم (عليه السلام) حريصا على مقاطعة السلطات العباسية الظالمة، وكان يمنع شيعته من الانخراط في الوظائف الحكومية، بل ومن التعاون مع الجهاز الحاكم بأي شكل من الأشكال، ليظهر بذلك عدم شرعيّة تلك الحكومات، ومن ثمّ عدم دعمها ومساندتها، وهذا الموقف هو امتداد لموقف آبائه عليهم السلام؛ فمقاطعة الحاكم الجائر كانت إحدى المعالم المميزة لمنهج الأئمة عليهم السلام؛ فقد روى الإمام الكاظم عليه السلام عن جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله قوله: " إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ أين الظلمة والأعوان للظلمة؟ من لاقَ لهم دواة، أو ربط لهم كيسا، أو مدّ لهم مدّة قلم، فاحشروهم معهم".
وأجاب الإمام الباقر عليه السلام من سأله عن العمل مع الظالمين بقوله: " ولا مدّة قلم، أنّ أحدهم لا يصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينه مثله" .
وحذّر الإمام الصادق عليه السلام بقوله: " لا تعنهم - أي حكّام الجور - على بناء مسجد".
لأن تلك الحكومات لا تملك رصيدا من الشرعية؛ فالعمل معها فيه اعتراف ضمني بشرعيّتها، وتقوية لها، وتشييدا لأركانها المنحرفة، إضافة إلى ماستجرّه على العاملين من تبعات كالتأثّر بهم وبأسلوب حياتهم المرفّه، والوقوع تحت إغراء المال والمنصب والجاه، وهذا يؤدي إلى الانسلاخ التدريجي عن منهج الحق، والذوبان في منهج الباطل، وقد يؤدي في بعض الأحيان إلى تحوّل العامل إلى عدوّ؛ لأنه سيجد أن مصلحته مع أولئك الظلمة لا مع الحق وأتباعه.
إنّ قصة الإمام الكاظم عليه السلام مع صفوان الجمال تعكس لنا دقّة المنهج التربوي الذي سلكه مع شيعته، وموقفه المتشدّد والواضح في تحريمه العمل مع السلطات الظالمة؛ ليؤسس في نفوسهم وعيا سياسيا رافضا للظلم، يحصّنهم من عوامل الانحراف، والاستجابة التدريجية لمخططات الحكومات الظالمة التي يفرضها العمل معهم.
فعن صفوان بن مهران الجمّال قال: دخلت على أبي الحسن الأوَّل عليه السلام، فقال لي: " يا صفوان، كلُّ شيء مِنك حَسَن جميل، ما خلا واحد ".
قلت: جُعلت فِداك! أيُّ شيء؟
قال: " إكراؤك جِمالك مِن هذا الرجل" يعني: هارون.
قلت: والله ما أكريته أشرَاً ولا بطراً، ولا للصيد ولا للهو، ولكنْ أكريته لهذا الطريق، يعني: طريق مَكَّة، ولا أتولاَّه بنفسي، ولكنْ أبعث معه غُلماني.
فقال لي: " يا صفوان، أيقع في كراؤك عليهم؟ ".
قلت: نعم، جُعلِت فِداك.
قال لي: " أتُحبُّ بقاءهم حتَّى يخرج كِراؤك؟".
قلت: نعم.
قال: " مَن أحبَّ بقاءهم؛ فهو منهم، ومَن كان منهم ورد النار ".
قال صفوان: فذهبت وبعت جمالي عن آخرها.
فبلغ ذلك إلى هارون فدعاني، فقال لي: يا صفوان، بلغني أنَّك بعت جِمالك؟
قلت: نعم.
فقال: هيهات هيهات، إنِّي لأعلم مَن أشار عليك بهذا! أشار عليك بهذا موسى بن جعفر.
قلت: ما لي ولموسى بن جعفر.
فقال: دع هذا عنك، فو الله، لولا حُسن صُحبتك لقتلتك.
ومع هذا الموقف المتشدد والصارم، للإمام الكاظم عليه السلام وتحريمه لعموم شيعته ومواليه من العمل مع السلطات الجائرة، فقد سمح لمجموعة من أصحابه المقرّبين باختراق أجهزة الدولة، وذلك من خلال تسلّم الوظائف المرموقة، والتواجد الفعّال في مراكز القرار، وكان الإمام عليه السلام يهدف من خلال ذلك إلى تحقيق هدفين مهمين يصبّان في صالح القاعدة الشيعية الموالية لخط أهل البيت.
يتمثّل الهدف الأول بالاقتراب من رأس السلطة الحاكمة لمعرفة المعلومات المهمّة التي تصدر عن البلاط الحاكم، والمتعلّقة بالإمام أو بشيعته؛ ليتمكن الإمام من خلال هذه المعلومات من اتخاذ التدابير الاحترازية اللازمة لحفظ الوجود الشيعي من التعرّض للانهيار والإبادة.
ومن الشواهد على تحقيق هذا الهدف: لمّا عزم موسى الهادي العباسي على قتل الإمام الكاظم عليه السلام بعد ثورة الحسين- صاحب فخ- وتدخل أبو يوسف القاضي في تغيير رأي الهادي عندما قال له بأن موسى الكاظم عليه السلام لم يكن مذهبه الخروج، ولا مذهب أحد من ولده واستطاع أبو يوسف أن يقنع الخليفة، هنا كتب علي بن يقطين إلى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام بصورة الأمر من أجل أن يحتاط الإمام عليه السلام، ويخطط في ضوء المعلومة التي تصل إليه.
أما الهدف الثاني والذي لا يقلّ أهميّة عن الهدف الأول فهو السعي في قضاء حوائج المؤمنين من الشيعة الذين كانوا يُعامَلون باستمرار بالجور وهضم الحقوق في ظل دولة ظالمة تطاردهم وتريد القضاء عليهم؛ فكان وجود بعض رجالات الشيعة في الجهاز الحاكم فرصة ذهبية لرفع العناء والظلم عنهم والمحافظة على حقوقهم، وعوامل وجودهم واستمرارهم باعتبارها من أولويات الإمام التي يعمل على تحقيقها.
لذا نجد إن الإمام الكاظم عليه السلام كان يشجّع شيعته الذين وصلوا إلى مواقع مهمة في الدولة أن يكونوا عونا لإخوانهم الشيعة في تخفيف ماكانوا يلاقونه من الظلم والجور وشظف العيش.
فقد ورد عن زياد بن أبي سلمة قال: دخلتُ على أبي الحسن موسى عليه السلام فقال لي: " يا زياد إنك لتعمل عمل السلطان ؟ قال: قلت: أجل، قال لي: ولم ؟ قلت: أنا رجل لي مروءة وعليّ عيال وليس وراء ظهري شيء، فقال لي: يا زياد لئن أسقط من حالق - أي مكان مرتفع - فأتقطّع قطعة أحب إليّ من أن أتولّى لأحد منهم عملا أو أطأ بساط رجل منهم إلاّ، لماذا ؟ قلت: لا أدري جعلت فداك، قال: إلا لتفريج كربة عن مؤمن، أو فكّ أسره، أو قضاء دينه.
يا زياد، إنّ أهون ما يصنع الله جلّ وعزّ بمن تولّى لهم عملا أن يُضرب عليه سُرادق من نار إلى أن يفرغ من حساب الخلائق.
يا زياد، فإن وليت شيئا من أعمالهم فأحسن إلى إخوانك فواحدة بواحدة، والله من وراء ذلك"
ومن الذين تبوّءوا المراكز الرفيعة علي بن يقطين، الذي كان هو وأبوه من قبله من وزراء هارون العباسي، وقد نُقل عن علي بن يقطين قوله:
"قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام: " إن لله تبارك وتعالى مع السلطان أولياء يدفع بهم عن أوليائه وأنت منهم يا عليّ".
وعنه ايضا أنه قال: "قلت لأبي الحسن عليه السلام: ما تقول في أعمال هؤلاء ؟ قال: " إن كنت لا بدّ فاعلاً فاتقِ أموال الشيعة" .
فكان عليّ يُجبي الضرائب من الشيعة علانية، ويردّها عليهم في السّر .
وكان علي بن يقطين يشعر أحيانا بالاستياء من عمله في حكومة الظالمين، فيطلب الإذن من الإمام الكاظم عليه السلام في ترك العمل فلم يأذن له ،وقال له في إحدى المرّات : " لا تفعل فإن لنا بك أنساً، ولإخوانك بك عزّاً، وعسى الله أن يجبر بك كسيراً، أو يكسر بك نائرة المخالفين عن أوليائه، يا علي كفّارة أعمالكم الإحسان إلى إخوانكم. اضمن لي واحدة أضمن لك ثلاثاً، اضمن لي أن لا تلقى أحداً من أوليائنا إلاّ قضيتَ حاجته واكرمته، أضمن لك أن لا يظلّك سقف سجن أبداً، ولا ينالك حدّ السيف أبداً، ولا يدخل الفقر بيتك أبداً".
وهنا نلاحظ اختلاف موقف الإمام الكاظم من عمل علي بن يقطين ورفضه أن يترك عمله، وموقفه الرافض لاستمرار صفوان الجمال بتعامله مع هارون؛ لأن عمل صفوان ليس فيه أي منفعة أو خدمة للمجتمع الشيعي؛ بل هو منفعة خالصة لهارون وجهازه الحاكم؛ واستدراج خطير لصفوان بأن يقدّم مصلحته الشخصية على الصالح العام؛ لأن من الطبيعي ميل الإنسان وتفاعله بصورة إيجابية مع من له مصلحة معهم!.
وقد وفى الإمام عليه السلام لعليّ بن يقطين بوعده، فكان يحظى بتسديد ورعاية خاصة من الإمام عليه السلام استطاع من خلالها أن ينجو من الوشايات والدسائس التي كان أعداؤه يحكونها للإيقاع به لدى هارون، وأن يستمر بعمله بنجاح باهر بأن يكون نعم العون لإخوانه الشيعة؛ فكان يعيل عدد كبير من العوائل، ويزوّج الشباب، وقد أحصى كاتبه عدد من بعثهم لأداء فريضة الحج في عام واحد فكانوا مائة وخمسون رجلا، وكان ينفق الأموال الطائلة في وجوه البرّ والإحسان.
وهكذا استطاع الإمام الكاظم عليه السلام أن يحقق الموقف الدقيق والمتوازن في تعامل شيعته مع السلطات الحاكمة والذي يتمثّل بحضورهم الفعّال في الساحة السياسية والاجتماعية، وفي الوقت نفسه تحصينهم من الذوبان والانصهار في جبهة الباطل، وليكونوا بذلك النموذج الصالح الذي يتولّى عملية التغيير والبناء في الأمة، النموذج المميّز الذي نشأ وترعرع في مدرسة أهل البيت عليهم السلام.








اضافةتعليق
التعليقات