في عالمنا اليوم، يكفي أن تفتح هاتفك وتضغط على تطبيق الخرائط لتصل إلى وجهتك بدقة متناهية، سواء كنت في زقاق ضيق أو في عرض المحيط، خلف هذه الرفاهية التكنولوجية التي نعتبرها من المسلمات تقبع قصة امرأة سمراء من ريف فرجينيا، عاشت عقوداً من حياتها وهي ترسم ملامح كوكب الأرض بالأرقام والمعادلات، وهي غلاديس ويست.
من مزارع التبغ إلى قاعات الجامعات، ولدت غلاديس في عام 1930 لعائلة كادحة في مقاطعة "دينويدي" كانت تشاهد عائلتها تعمل لساعات طويلة في مزارع التبغ والقطن وأدركت منذ طفولتها أن خياراتها في ظل التمييز العنصري آنذاك محدودة للغاية، لم تكن تملك سوى سلاح واحد لتغيير قدرها وهو التفوق الدراسي.
وضعت غلاديس نصب عينيها هدفاً واحداً؛ أن تكون الأولى على دفعتها في الثانوية لتحصل على منحة دراسية كاملة وهو ما تحقق بالفعل إذ التحقت بجامعة ولاية فرجينيا لتدرس الرياضيات، وهو تخصص كان يُنظر إليه حينها على أنه حصن للرجال لكنها أثبتت أن العقل لا يعرف جنساً ولا لوناً.
في عام 1956، عُينت غلاديس في قاعدة البحرية الأمريكية في داهلغرين كانت واحدة من أربع موظفين سود فقط وسط مئات البيض في تلك الحقبة، كانت الحواسيب الإلكترونية في بدايتها، وكانت غلاديس وزملاؤها يُلقبون بـ "الحواسيب البشرية"؛ حيث كانوا يقومون يدوياً بمعالجة البيانات الرياضية المعقدة التي تعجز الآلات البدائية عن فهمها.
جاءت اللحظة الفارقة في مسيرتها عندما تولت إدارة مشروع بيانات الأقمار الصناعية، كان التحدي يكمن في أن الأرض ليست كرة مثالية، بل هي جسم "منبعج" وغير منتظم لكي يحدد القمر الصناعي موقعك بدقة، يجب أن يمتلك نموذجاً رياضياً دقيقاً جداً لشكل الأرض.
بصبر وأناة، قامت غلاديس ببرمجة حواسيب ضخمة بحجم غرف كاملة لمعالجة ملايين الحسابات حتى استطاعت تحويل انبعاجات الأرض وتعرجاتها إلى خوارزميات رياضية دقيقة، هذه المعادلات هي حجر الأساس الذي بُني عليه نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)؛ فبدون نموذج غلاديس، كانت إشارات الأقمار الصناعية ستعطيك مواقع خاطئة بفارق كيلومترات.
المثير للدهشة أن غلاديس عملت لمدة 42 عاماً في صمت تام وطبيعة عملها العسكرية والسرية منعتها من الحديث عن إنجازاتها، حتى أن أولادها كبروا وهم يظنون أن والدتهم تقوم بعمل إداري بسيط في القاعدة البحرية ثم تقاعدت غلاديس في عام 1998، وطُويت صفحتها في أرشيفات البحرية دون ضجيج.
لم يكتشف العالم قصة الـ GPS" إلا في عام 2017، عندما عثرت إحدى زميلاتها القدامى على نبذة مختصرة كتبتها غلاديس عن نفسها في سيرتها الذاتية للمشاركة في حفل تكريمي ومنذ ذلك الحين بدأت الجوائز تنهال عليها وأُدرج اسمها في "قاعة مشاهير القوات الجوية" في عام 2018.
لكن غلاديس لم تكتفِ بتكريم الماضي فبعد تقاعدها وتعرضها لوعكة صحية، قررت إكمال دراستها وحصلت على درجة الدكتوراه وهي في الثمانينيات من عمرها، مؤكدة أن العقل الذي رسم حدود الأرض لا يمكنه أن يتوقف عن استكشاف آفاق العلم.
غلاديس ويست ليست مجرد عالمة رياضيات؛ إنها رمز للإصرار الصامت، هي المرأة التي جعلت العالم كله تحت السيطرة من خلال شاشة صغيرة بينما ظلت هي بعيدة عن الأضواء، تكتفي بابتسامة الرضا لأن حساباتها كانت صحيحة، ولأن العالم اليوم لم يعد يضل طريقه بفضلها.
العمل الحسابي الذي قامت به غلاديس ويست، وكيف تحولت هذه المعادلات إلى البرنامج الذي نعرفه اليوم:
أولاً: الجانب التقني للمعادلات (نمذجة الجيود)
المشكلة التقنية التي واجهت غلاديس هي أن الأرض ليست كرة ملساء، بل هي جسم غير منتظم الشكل يُعرف بـ "الجيود" (Geoid). لكي يعمل نظام GPS، كان عليها حل التحديات التالية:
- حساب انبعاج الأرض.
- تأثير المد والجزر والجاذبية.
- تكرار البيانات (Iterative Processing).
ثانياً: كم استغرقت صناعة برنامج الخرائط؟
صناعة نظام تحديد المواقع لم تكن مشروعاً لمدة عام أو عامين، بل كانت رحلة عقود:
- البحث والتأسيس (1956 - 1970): أمضت غلاديس السنوات العشر الأولى في إثبات دقتها الرياضية ومعالجة بيانات الأقمار الصناعية المبكرة.
- المرحلة الحاسمة (1975 - 1985): هذه هي الفترة التي شهدت العمل المكثف على نظام GPS. استغرق بناء النموذج الرياضي الدقيق لشكل الأرض (الذي وضعت غلاديس أساسه) حوالي 10 سنوات من البرمجة المتواصلة ومعالجة البيانات المعقدة.
- الإطلاق والاكتمال: بدأ إطلاق أول قمر صناعي تجريبي في عام 1978، لكن النظام لم يصبح مكتمل الأداء عالمياً (بـ 24 قمراً صناعياً) إلا في عام 1995.
أي أن غلاديس ويست وفريقها استغرقوا أكثر من 25 عاماً من العمل البحثي والتقني المتواصل قبل أن يصبح النظام متاحاً للاستخدام الذي نراه اليوم في تطبيقات الموبايل.
.....................








اضافةتعليق
التعليقات