بين ثنايا التجاعيد التي رسمها الزمن على محيّا الجدة، تسكن حكايا لا تشبه قصص الشاشات الباردة. هي ليست مجرد ملامح، بل خريطة طريق لوجداننا، نُسجت من قيم نقية وفطرةٍ لم يلوثها صخب الحداثة. منذ صغرنا ونحن ننهل من ذلك النبع الصافي، حيث تنقل لنا تلك المرأة العظيمة إرث الأجيال عبر كلمات وأناشيد وقصص لا تنتهي، خطّتها التجارب على “جلدها الرقيق” لتسطر لنا الأحداث بعفوية وحب. ولهذا، فالاحترام لكبرها وشخصها ليس من فراغ، بل لحكمتها في عيش التجارب بوقتٍ أسبق…
يبقى الحنان الذي يشعر الفرد أنه محاط ومملوء بحضور أهله، وهذا الرابط الذي يلمّ شتات العائلة، والذي يجمع الأفراد حتى بعد استقلالهم وانفصالهم في بيوتهم الخاصة. في الأعياد والمناسبات تظل الوجهة الأولى والبديهية هي ذلك البيت الكبير، حيث الدفء الذي لا يمنحه مكان آخر.
لكن اليوم، وفي ظل هذا التطور التقني المخيف الذي بات يهدد كينونة الأسرة، أصبح الكثيرون يعانون من “اغتراب داخلي” وفراغ عاطفي، مما أدى إلى ضعف الاندماج والارتياح داخل المحيط العائلي الكبير. هذا الانفصال الوجداني لم يبقَ حبيس الجدران، بل أنتج أفراداً يفتقدون مهارات التواصل الحقيقي مع المجتمع وحتى مع أهلهم داخل المنزل، وآخرين مع أنفسهم.
لقد وقع بعض الآباء في فخ “الرفاهية البديلة”؛ فاجتهدوا في توفير أرقى وسائل الراحة والدلال المادي لأبنائهم، ظناً منهم أن الأجهزة الحديثة والغرف المستقلة هي قمة العطاء، لكنهم غفلوا عن “اللحظات الدافئة” التي تصنع الذاكرة والانتماء. فالابن الذي يمتلك أحدث التقنيات قد يعيش عزلة خانقة لأنه يفتقد جلسة حوار أو لمسة حنان تشبه تلك التي كانت تمنحها الأم أو الأب بلا مقابل، لهذا أصبح أبناؤنا اليوم يعيشون شعور اليتم داخل بيوتهم.
لأن الأب نسي وظيفته في التربية وتجرد من مسؤوليته، والأم انشغلت عن وظيفتها بعيداً عن عاطفتها، وانطفأ مصباح الأمان، وأصبحت حياتهم رمادية تجردت من المشاعر، كُلٌّ قد غرق في عالمه مجروفاً بموجات التطور.
إن حاجتنا اليوم لروح “بيت الجد” أو حضور الآباء والأمهات وتواجدهم نفسياً وواقعياً مع أولادهم ليست مجرد حنين للماضي أو احتياج آني، بل هي ضرورة لبناء توازن نفسي وعاطفي ووجودي للأبناء داخل العائلة ولأجيال المستقبل. نحن بحاجة إلى إعادة إحياء تلك الطقوس البسيطة التي تجمعنا حول مائدة واحدة بعيداً عن صخب التنبيهات الرقمية، ومفهوم الانتماء الحقيقي يبدأ من العائلة، وأن أثمن ما يمكن أن نورث أبناءنا ليس الرفاهية، بل تلك “القيم الفطرية” التي تجعل منهم أفراداً متصالحين مع أنفسهم ومع العالم من حولهم.
ونحن نقف على أعتاب عصر رقمي جارف، تظل حاجتنا إلى “دفء اللمة” وقيم “البيت الكبير”، وتواجد الأب الحاضر والأم الحاضرة التي تتواجد بكل حنانها، هي طوق النجاة الوحيد. حاجة أبنائنا لهذه الذكريات تشبه حكايات الجدة، لكي لا يكبروا غرباء في بيوتهم، ولتبقى العائلة هي البوصلة التي لا تخطئ الطريق مهما عصفت بنا رياح الحداثة.








اضافةتعليق
التعليقات