عندما يعاني الإنسان من تقدير ذات منخفض، يشعر بداخله بالنقص والعدوانية وعدم الاكتفاء، مما يجعل مشاعر الخوف تسيطر عليه، ويصبح أي أمر بسيط يهيّج مشاعر الذنب والعار والخذلان تنشأ في داخله، مع أنها لا تستحق ذلك.
لكنها التراكمات النفسية التي تدفع الشخص إلى التفكير بصورة سلبية، والانغلاق، والقسوة على النفس، وعدم الشعور بالراحة، مما يجعله يتخذ قرارات خاطئة وينخرط في سلوكيات مدمرة تزيد من معاناته. هذا التخبط يدفع الفرد للبحث عن قيمته في عيون الآخرين أو من خلال الإنجازات المنهكة، ظناً منه أن كلمة مديح أو نجاحاً مادياً قد يرمم ذلك الشرخ الداخلي.
لكن الحقيقة المُرّة هي أن كل ما يأتي من الخارج هو مسكنات مؤقتة، فالتصالح مع الذات لا يبدأ بطلب الغفران من العالم، بل بوقف المحاكمة القاسية التي يقيمها المرء داخل عقله ضد نفسه. إن هذا الاستجداء المستمر للقبول الخارجي يحول الإنسان إلى "رهينة" لردود أفعال الآخرين؛ فإذا ابتسم العالم في وجهه انتعش، وإذا شاح بنظره عنه ذبل واضمحل.
هذا الاغتراب عن الذات يجعل الفرد يعيش في دوامة من التقمص، حيث يرتدي أقنعة لا تشبهه ليرضي مجتمعاً لا يراه أصلاً على حقيقته. إن البحث عن الذات في زحام التوقعات الاجتماعية يشبه محاولة العثور على نجم في عز الظهيرة. فالضجيج الخارجي يطمس صوت الروح، ويجعل الفرد يركض في مضمار لا نهاية له، مستنزفاً طاقته في معارك لا تخصه، باحثاً عن معنى ضائع وسط ركام الماديات والشكليات.
لهذا يجب وضع مسار يعيد التوازن الداخلي للشخص، والاستماع إلى الصوت الداخلي الذي يهمس له، لأنه بذلك يجعل تلك المحكمة تتفكك بعد الوعي بمرحلته الحالية. وكذلك، فإن الحدود الصحية هي ما يعيد خط الشفاء بعيداً عن الاستنزاف، فعندما تقول "لا"، فإن ذلك يشيح عنك استباحة الآخرين لوقتك الثمين، فهو إعلان واضح أن ذاتك مقدسة وتستحق الأمان.
ومن جانب آخر، فإن الإنجازات الصغيرة اليومية كالقراءة والرياضة والاهتمام بالنفس تعيد ذلك الشعور بالثقة بالنفس، وكذلك العزلة الإيجابية لإعادة ترتيب الفوضى داخلك، وتسمح للذات الحقيقية بالظهور. أما التصالح مع النقص فهو التقبل أنك لست كاملاً، وغير مضطر لتكون كاملاً حتى يحبك من يرغب بذلك.
في نهاية المطاف، ليست الرحلة بحثاً عن "ذات جديدة" في مكان ما خلف الأفق، بل هي رحلة "إزالة" لكل الطبقات الزائفة التي تراكمت فوق جوهرك الحقيقي. إن التصالح مع النفس هو أسمى أنواع السلام، وأعظم انتصار يمكن أن يحققه المرء، ليس في غزو العالم، بل في غزو مخاوفه والجلوس مطمئناً مع نفسه في غرفة مظلمة دون حاجة لهاتف أو مديح أو شاهد.
وتذكر دائماً أنك لست بحاجة لأن تكون "أكثر" لكي تصبح "كافياً"، فأنت كافٍ ومستحق للحب والتقدير منذ اللحظة التي تنفست فيها الحياة. ابدأ اليوم بوضع حد لتلك المحاكمة القاسية، وافتح نافذة لضوء القبول، فمن هناك يبدأ الطريق، ومن هناك فقط ينتهي التخبط.








اضافةتعليق
التعليقات