مع اقتراب الثامن عشر من ذي الحجة، تتنزل على القلوب نفحات طمأنينة مغلفة بالشوق، وتتجه الأرواح نحو ذلك الوادي الجاف جغرافياً، والفيّاض روحياً وعقائدياً: غدير خم هناك، حيث لم يكن الحدث مجرد لحظة تاريخية عابرة في أواخر حجة الوداع، بل كان إعلاناً إلهياً رسم معالم الطريق للأمة الإسلامية، ورسخ قيم العدالة والحق المتمثلة في شخص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
نداء السماء وصوت الرسالة
إن اقتراب الغدير ليس مجرد مناسبة للذكرى، بل هو استحضار لنداء السماء الإلهي الذي صدع به الرسول الأكرم محمد (ص) ممتثلاً لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ).
لقد كان رفع يد الإمام علي في ذلك الهجير القاسي، وإعلان الولاية له بقول النبي: من كنت مولاه فهذا علي مولاه إيذاناً بإكمال الدين وإتمام النعمة. ومن هنا يزداد القلب شوقاً؛ لأن الغدير يمثل الضمانة الإلهية لاستمرارية الخط الرسالي النقي، وحفظ الشريعة من عواصف الأهواء.
علي ولي الله: منهح حياة لا مجرد شعار
حين تلهج الألسن بشعار علي ولي الله مع اقتراب هذه المناسبة، فإنها لا تنطق بعبارة عاطفية فحسب، بل تعلن الانتماء إلى مدرسة فكرية وأخلاقية متكاملة. فعلي (عليه السلام) هو:
ميزان الحق: الذي يدور الحق معه حيثما دار.
صوت العدالة الإنسانية: الذي ساوى بين البشر في العطاء وفي الحقوق والواجبات.
منارة الزهد والعلم: الذي فتح للناس أبواب الحكمة والتدبر.
إن الهتاف بالولاية هو تجديد للعهد على التمسك بهذه القيم العالية، ومحاولة لصياغة الذات والمجتمع وفق الأنموذج الذي قدمه أمير المؤمنين في إدارته، وزهده، وشجاعته، ورأفته بالفقراء والمساكين.
تجديد البيعة في عصرنا الحاضر
في عالمنا المعاصر الذي يموج بالتحديات الفكرية والأخلاقية، يأتي الغدير كطوق نجاة يعيد بوصلة الأمة نحو منبع الصلاح. إن الاحتفاء بـ "يوم الولاية" يتجاوز مظاهر الفرح الخارجي إلى ضرورة تمثل قيم الغدير في سلوكنا اليومي؛ عبر نشر قيم التسامح، وإحقاق الحق، ومحاربة الظلم، والتمسك بالوحدة الإسلامية التي كان الإمام علي أحرص الناس عليها.
كلما اقترب الغدير، يشرق في وجدان المؤمنين أمل جديد، وتخفق القلوب بعاطفة جياشة تدفعها نحو الاستمساك بالعروة الوثقى. إنه نداء السماء الذي يبقى حياً في الضمائر، يجدد فينا روح العطاء، ويؤكد أن الحق لا يموت ما دام له في القلوب نابض، وفي الولاء ناصر.








اضافةتعليق
التعليقات