إن العلاقة بين القلب والدنيا هي علاقة تضاد في جوهرها العميق حيث كلما اتسعت رقعة الانشغال بالمادي الزائل ضاقت بالضرورة مساحة الالتفات إلى الباقي الدائم وهذا التناسب العكسي ليس مجرد فكرة وعظية بل هو حقيقة نفسية وروحية ملموسة تؤثر على مسيرة الإنسان ومصيره.
حين يبدأ القلب في الانغماس بتفاصيل الحياة ومتاعها وصراعاتها اليومية يجد نفسه مشدوداً بخيوط خفية نحو الأرض فتثقل الروح وتفقد قدرتها الفطرية على التحليق في آفاق المعاني الأخروية والارتباط الوثيق بالخالق. إن هذا التعلق ليس مجرد حب عابر بل هو حالة من الاستغراق التي تجعل الغاية والوسيلة تختلطان في وعي الإنسان فيتحول المتاع الذي خُلق ليخدمه إلى سيدٍ يتحكم في بوصلة مشاعره وقراراته ومواقفه.
ومن هذه النقطة بالتحديد تنبت بذور الانتكاسات التي نراها في مسيرة الكثيرين فما يبدأ كحالة من الغفلة البسيطة أو التوسع الزائد في المباحات يتحول تدريجياً إلى قيد يمنع العبد من الثبات على مبادئه السامية. إن القلب الذي يمتلئ بالخوف الزائد على الرزق أو الطمع في الجاه أو الترف الشديد يصبح قلباً هشاً أمام الفتن العابرة فإذا ما تعرض لاختبار حقيقي بين مكسب دنيوي سريع ومبدأ أخروي رصين مالت كفته نحو ما هو أقرب لمشاعره وما تعلق به نبضه.
فالانتكاسة لا تحدث فجأة كزلزال مدمر بل هي تراكمات صامتة لغياب الرقابة على واردات القلب حيث يحل حب الراحة محل الصبر ويحل الاكتفاء بالمظاهر الجوفاء محل الصدق في المخبر والعمل.
وعندما يضعف التعلق بالآخرة يفقد الإنسان المحرك الأساسي للثبات الروحي لأن اليقين بما عند الله هو الذي يهون مشاق الطريق الوعر فإذا خفت هذا اليقين بسبب غبار الدنيا المتراكم صار كل عائق بسيط يبدو كجبل شامخ وصارت كل تضحية تبدو خسارة فادحة لا يمكن تعويضها.
إن حماية القلب تتطلب يقظة دائمة لموازنة الأمور وإدراكاً عميقاً بأن الدنيا مجرد معبر لا مقر وأن كل ما يشدنا إليها بقوة قد يكون هو السبب المباشر في تعثرنا غداً. إن صيانة القلب من التعلق المفرط هي صيانة للثبات في زمن المتغيرات المتسارعة وهي الضمانة الوحيدة لكي يبقى الوجه متوجهاً نحو الحق دون الالتفات إلى زخرف يفنى وجمال يزول فالحياة الحقيقية هي حياة الروح التي تستمد قوتها من اتصالها بالأزل لا من انغماسها الكامل في اللحظة العابرة.
وختاماً يظل القلب هو القائد والموجه فبقدر ما نملأه من تطلع لما وراء المادة نسلم من عواقب السقوط في فخ العاجلة وبقدر ما نفرغه من شوائب الطمع الدنيوي يزداد ثباتنا وتصفو رؤيتنا نحو المآل الأخير.








اضافةتعليق
التعليقات