تعد لحظة المواجهة مع الذات من أصعب اللحظات التي قد يمر بها الإنسان في رحلته الطويلة حيث يجد نفسه وجهاً لوجه أمام شريط ذكريات محمل بمرارة الندم على مواقف وتصرفات لم تكن تليق بحجم نقائه أو رجاحة عقله.
إن أشد أنواع الوجع ليس ذلك الناجم عن فقدان مادي أو فشل عابر بل هو الوجع الذي ينخر في الروح حين يشعر المرء بالندم على نفسه وعلى استنزاف طاقته في مسارات لم تكن تستحق السير فيها منذ البداية. تبدأ هذه الدوامة حين يدرك الإنسان أنه منح أثمن ما يملك وهو شعور الثقة المطلقة لأشخاص لم يكونوا أهلاً لحمل تلك الأمانة فصارت الثقة العمياء سلاحاً طعن به في مقتل بدلاً من أن تكون جسراً للأمان والسكينة.
يتعاظم هذا الألم حين يتذكر المرء تلك المغفرة الدائمة والفرص المتكررة التي كان يهبها لمن أساءوا إلى روحه المرة تلو الأخرى ظناً منه أن التجاوز سيصلح ما أفسده اللؤم أو أن الصبر سيحول الجحود إلى عرفان. إن الإفراط في التسامح مع من لا يقدرون قيمة المشاعر يحول الروح إلى ساحة مستباحة ويفقد الإنسان هيبته أمام نفسه قبل أن يفقدها أمام الآخرين. ومن هنا تنشأ حسرة التمسك بأولئك الذين لم يدركوا يوماً قيمة وجوده في حياتهم فكانوا يرون عطاءه واجباً وصبره ضعفاً وتواجده الدائم تحصيل حاصل لا يستحق الامتنان.
إن هذا النوع من الندم هو في الحقيقة صرخة استيقاظ من غيبوبة عاطفية طويلة وهو دليل على أن القلب بدأ يستعيد بوصلته المفقودة ويضع الأشياء في نصابها الصحيح. حين يراجع الإنسان قائمة خسائره المعنوية يكتشف أن الخطأ لم يكن في الحب أو الوفاء بل في توجيه هذه المشاعر النبيلة نحو العناوين الخاطئة. إن التمسك بمن لا يرى قيمتك ليس وفاءً بل هو نوع من تدمير الذات الصامت الذي ينتهي بك وحيداً ومثقلاً بالخيبات.
ومع ذلك فإن هذا الوجع رغم قسوته يمثل مرحلة التطهير الضرورية لبناء جدار حماية جديد يمنع تكرار المأساة ويؤسس لعلاقة أنضج مع النفس ومع الآخرين تقوم على التوازن لا على التضحية العمياء.
وختاماً يبقى الندم على النفس درساً قاسياً لكنه كفيل بإعادة صياغة أولوياتنا لندرك أن الذات هي الأحق بالرعاية والمغفرة أولاً وأن الثقة والتمسك يجب أن يُبذلا لمن يدرك أن الروح جوهرة لا تُعطى مرتين.








اضافةتعليق
التعليقات