يطلُّ الفجرُ في التَّاسعِ عشرَ من شهرِ رمضانَ كأنهُ انشقاقٌ في جدارِ الزَّمن، فجرٌ لم يأتِ بضياءٍ بل بظلامِ الفجيعةِ التي غلَّفت قلبَ الوجود. إنَّ رحيلَ الإمامِ علي بن أبي طالب (عليه السلام) لم يكن غياباً لجسدٍ أو خفوتًا لصوتٍ سياسيّ، بل كان زلزالاً ضربَ أركانَ القِيَم الإنسانية، وأعلنَ بدءَ "ليالي اليُتمِ" الكبرى التي لم تقتصر على أبنائه وذويه، بل امتدت لتشملَ كلَّ فقيرٍ ومستضعفٍ وباحثٍ عن الحقِّ في أزقةِ التاريخ.
اغتيالُ النُّور: الفجرُ الذي أبكى المحراب
في تلك اللحظةِ القدرية، حين هوى سيفُ الغدرِ على هامةِ مَنْ قال فيه الرسولُ (ص): "أنا وعليٌّ أبوا هذه الأمة"، لم يكن المستهدفُ شخصاً، بل كان "المشروعَ الإلهيَّ" الذي تجسَّد عدلاً ومساواةً. إنَّ "الفجر الحزين" الذي تستشعرهُ الأرواحُ اليوم هو صدى لتلك الصرخةِ التي دوت في آفاقِ الكوفة: "فُزتُ وربِّ الكعبة". لقد فازَ عليٌّ بالشهادةِ التي طالما انتظرها، لكنَّ الدنيا خَسرت بفقدهِ الميزانَ الذي لا يميل، والبوصلةَ التي كانت تهدي الحائرين في دروبِ التيه.
ليالي اليُتمِ: حين انكسرَ ظَهْرُ العَدالة
حين يرحلُ عليٌّ، لا يُوصفُ الحزنُ بالدموعِ فحسب، بل بالخلاءِ الذي تركهُ خلفه. إنَّ "ليالي اليُتم" هي تلك الفترةُ الموحشةُ التي أدرك فيها الفقراءُ أنَّ اليدَ التي كانت تمسحُ على رؤوسِ الأيتامِ في عتمةِ الليلِ قد كُبلت بالتراب.
يُتمُ المبدأ: لقد يُتمت الشجاعةُ بفقده، ويُتمت البلاغةُ برحيله، والأهمُّ من ذلك، يُتمت العدالةُ التي كانت تجدُ في "أبي الحسن" حاميًا لا تأخذهُ في الله لومةُ لائم.
عزاءُ الوجود: وكأنَّ الدنيا بأكملها تنعى رحيله؛ لأنَّ علياً كان يمثلُ روحَ الكونِ المنسجمةِ مع الحق. فكيف لا تبكي السماءُ والأرضُ على مَن كان يرى في "نملةٍ يُسلبُ منها جلبُ شعيرة" جُرماً لا يُغتفر؟
خاتمةٌ في خُلودِ الأثر
إنَّ الحزنَ على رحيلِ أميرِ المؤمنين ليس بكاءً على أطلالِ الماضي، بل هو استنكارٌ دائمٌ لغيابِ العدلِ في عالمنا المعاصر. لقد مضى عليٌّ إلى ربهِ مضرجاً بدماءِ طُهره، تاركاً لنا "نهجَ البلاغةِ" ونهجَ الحياةِ الحرةِ الكريمة. سيبقى ذلك الفجرُ شاهداً على أنَّ الطغاةَ يقتلونَ الأجساد، لكنهم يعجزون عن اغتيالِ الفكرِ الذي أسسهُ رجلٌ وُلد في بيتِ الله، واستُشهد في بيتِ الله، وبقيَ حياً في ضميرِ كلِّ حرّ.








اضافةتعليق
التعليقات