كيف يمكن لمدينةٍ كانت يوماً اسماً عابراً على خارطةٍ بعيدة، أن تصبح اليوم موطناً للطمأنينة، ومرفأً للقلوب المتعبة؟ كيف لبقعةٍ من تراب الأرض أن تتحول إلى سماءٍ يمشي الناس نحوها، تاركين خلفهم ضجيج الحياة ومتاعبها؟ وكيف لغريبٍ جاء مُكرهاً، بعيداً عن أهله ودياره، أن يصير اليوم الأب الروحي والملاذ الأقرب لأرواحٍ لم تره قط، لكنها عرفته بقلوبها قبل عيونها؟
ذلك هو سرُّ طوس… بل هو سرُّ الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام).
لم يدخلها فاتحاً بسيف، ولا طالباً لملك، ولا باحثاً عن مجدٍ دنيوي زائل. دخلها بقلبٍ امتلأ يقيناً، وروحٍ تعرف طريقها جيداً إلى الله، فصار حضوره في تلك الأرض حياةً لا تغيب، ونوراً يستدل به الحائرون. أرادوه بعيداً عن مركز التأثير، فإذا بالناس يقتربون منه أكثر؛ أرادوه مجرد اسمٍ في أطراف البلاد، فإذا باسمه يصبح نبض الملايين، وقبلةً تهوي إليها الأفئدة من كل فجٍ عميق.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد طوس مدينةً كسائر المدن؛ صارت حكايةً تُروى بالدمع تارة، وبالابتسامة تارات. صارت مكاناً إذا ضاقت بك الدنيا بما رحبت، وسّع صدرك بفيض عطائه، وإذا أثقلتك الأيام بهمومها، خفّف عنك حملها بلمسةٍ من سكينته. وإذا جئت منكسراً تبحث عن جبرٍ لخاطرك، خرجتَ وفي قلبك شيءٌ يشبه النور، وعزيمة لا تكسرها العواصف.
ما الذي يحدث هناك؟
لا شيء تراه العين العادية في زحام المارة، لكن كل شيء يشعر به القلب في لحظة صفاء. هناك، تقف أمام الضريح فتنسى ضجيج العالم وصراعاته، تتراجع همومك خطوة، ويتقدم الأمل في روحك خطوتين. تجد نفسك تبتسم دون سببٍ مادي واضح، وكأن روحك تهمس لك في صمت: "لا تقلق… ما زال في الدنيا متسعٌ للفرح، وما زال لهذا الكون ربٌّ لا ينسى عباده."
ذلك لأن الإمام الرضا (عليه السلام) لم يكن إمام علمٍ وفقهٍ فحسب، بل كان إمام طمأنينة وسلام. كان إذا حضر حضر معه الأمان، وإذا ذُكر اسمه لانَ الكلام واطمأنت النفوس، وإذا قصده الناس بصدق، عادوا بسلامٍ داخلي لا يُشترى بمال ولا يوصف بكلمات. ففي حضرته، تصغر المسافات الشاسعة، وتكبر السكينة في الصدور، وتغدو طوس هي الوطن الدافئ الذي لا يشعر فيه أي غريبٍ بالاغتراب.
واليوم، في ذكرى ميلاده المبارك، لا نحتاج أن نسأل: لماذا يحبه الناس كل هذا الحب؟ يكفي أن نرى وجوه الزائرين وهي تغادر عتباته، تعود وهي أخفّ مما جاءت، وأهدأ مما كانت، وكأنها وُلدت من جديد.
• سلامٌ على شمسٍ ما غابت ولن تغيب.
• سلامٌ على قلبٍ ما أغلق بابه يوماً في وجه سائل.
• سلامٌ على الإمام الذي ما زال، بعد مرور القرون، يُصلح في أعماق الناس أشياء لا يراها أحد.
نبارك لكم ولادة شمس الشموس، وأنيس النفوس، الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، ونسأل الله أن يجعل أيامكم أوسع فرحاً، وقلوبكم أكثر طمأنينة، وخطاكم دائماً أقرب إلى النور واليقين.








اضافةتعليق
التعليقات