هل الذنب ذنب القاتل أم صانع السكين؟
سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يفتح بابًا واسعًا من الحيرة: من يتحمل المسؤولية الحقيقية عن الخطأ؟ هل الأداة بريئة دائمًا، أم أن من صنعها يتحمل جزءًا من الذنب؟ وهل القاتل وحده المسؤول لأنه اختار الفعل؟
خلف هذه التساؤلات تختبئ حقيقة أعمق، بأن السكين ليس دائمًا قطعة حديد، بل قد يكون شيئًا نصنعه نحن بأيدينا، كالكلمة أو موقف أو حكم قاسٍ.
ففي تفاصيل حياتنا يحمل كل منا "سكينه" الخاص، نستخدمه أحيانًا لننقذ، وأحيانًا أخرى نجرح دون أن نشعر، حيث يختلف شكله من شخص لآخر، لكنه يحمل المعنى ذاته، فقدرته على التأثير قد تبني وقد تهدم.
ففي إحدى زوايا الحياة اليومية، داخل ممرات العمل، وقفت أمام تجربة قاسية من زميلة لي لم تجد في حضوري سوى رقم عمري، فراحت تردده في ليلة ميلادي وكأنه تهمة: أصبحتِ أربعينية... عجوزة.
كلمات قالتها بخفة ومزاح، لكنها وقعت على قلبي بثقل الإهانة، وجعلتني أشعر وكأن عمري خطأ يجب أن أعتذر عنه. في تلك اللحظة لم أكن أدافع عن نفسي فقط، بل عن كرامة تُداس بصمت. واجهتها وقلت لها بهدوء يخفي ما يكفي من الألم: وأنتِ أيضًا تجاوزتِ الثلاثين وغير متزوجة، فهل يصح أن أطلق عليكِ وصفًا جارحًا؟
ذلك الموقف لم ينتهِ عند الكلمات، بل ظل عالقًا في داخلي، يذكرني أن بعض الناس لا يدركون أنهم يحملون سكاكينهم في ألسنتهم.
فهناك من يؤذي الآخرين بطريقة ما دون قصد أحيانًا، وأحيانًا أخرى عن قصد مع سبق الإصرار، متناسيًا ما قد تتركه كلماتهم من أثر عميق في نفوسهم، ولعل ذلك يدفع بعضهم إلى ردود أفعال غير متوقعة، إذ قد يتحول المرء إلى شخص عدواني يستخدم الأسلوب ذاته في الحديث كنوع من الدفاع عن الذات، وربما ينحرف الأمر إلى مسار آخر لا تُحمد عقباه، يتمثل في العزلة والانطواء، الأمر الذي قد يقوده إلى الاكتئاب وأزمات نفسية طويلة الأمد.
وهنا تتجلى الحقيقة بأن الكلمة قد تكون أشد فتكًا من السكين، وأن المجتمع قد يصنع قاتلًا بلا أداة. المشكلة ليست في السكين بحد ذاته، بل في اليد التي تمسكه دون وعي، فالأدوات حيادية، لكن الإنسان هو من يحدد اتجاهها.
ويبقى السؤال الأهم: كم مرة كنا نحن "السكين" في حياة أحدهم... دون أن ندرك؟








اضافةتعليق
التعليقات