أم منتظر، جارتي التي تجاوزت عقدها السادس ما زالت متمسكة بعادتها التي لم تتغير رغم مرور السنين فما إن يطل شهر محرم الحرام حتى تنشغل بتثبيت الراية السوداء على واجهة منزلها، ثم تدعو نساء الزقاق إلى مجلسها النسوي لإحياء مأتم العزاء السنوي وتحرص على أن يكتسي بيتها بالسواد في كل أركانه، فيما تمنح الأطفال مساحة للمشاركة في هذه الأجواء الإيمانية ليكبروا وهم يحملون حب الإمام الحسين (عليه السلام) وقيم ثورته، وترى أم منتظر أن هذه المراسيم ليست مجرد طقوس موسمية بل جزء أصيل من الهوية الدينية والاجتماعية التي توارثتها الأجيال.
ملامح الحزن الحسيني
رايات سوداء ترفرف فوق الأسطح وأقمشة الحزن تتوشح بها الجدران فيما ينشغل الأهالي بإعداد المواكب والتكايا وتجهيز مستلزمات الخدمة في مشهد يتجدد عاما بعد آخر ليعكس عمق الارتباط بالقضية الحسينية.
فما إن تقترب أيام شهر محرم الحرام حتى تبدأ ملامح الحزن الحسيني بالظهور في أحياء مدينة كربلاء المقدسة حيث تتسابق العوائل إلى تهيئة منازلها وأزقتها لاستقبال موسم العزاء.
بهذا الجانب أجرت (بشرى حياة) هذا الاستطلاع...
اللمسات الأخيرة
في أحد الأزقة كان الحاج أبو كريم (متقاعد) يضع اللمسات الأخيرة على تكية صغيرة خصصها لاستقبال المعزين وخدمة الزائرين، حدثنا قائلا:
منذ أكثر من عشر سنوات وأنا أشارك في تجهيز التكية قبل حلول شهر محرم بأيام فنقوم بتهيئة المكان وتوفير مياه الشرب وبعض المستلزمات التي يحتاجها المشاركون في المجالس والمواكب.
وأشار إلى أن أبناء المنطقة يتعاونون فيما بينهم لإنجاز الاستعدادات، مبينا أن روح التكافل تتجلى بشكل واضح خلال هذه الأيام.
أجواء إيمانية
من جانبه، تحدث أبو زمرد/ موظف حكومي والذي كان يشارك مع مجموعة من أصدقائه في تزيين الشارع بالرايات الحسينية قائلا: نبدأ العمل قبل حلول الشهر بعدة أيام فنقوم برفع الرايات وتنظيم أماكن جلوس المعزين والمساهمة في خدمة المواكب ونشعر بالفخر عندما نكون جزءا من هذه الأجواء الإيمانية.
دور خاص
أما الطفل مجتبى عباس محمد هاشم البالغ من العمر تسعة أعوام، فله دوره الخاص في إحياء المراسيم العاشورائية إذ أوضح أنه يساعد أفراد عائلته في إعداد أكواب الماء وتوزيعها على المشاركين في المجالس الحسينية، مضيفا: أنتظر شهر محرم من كل عام لأشارك في خدمة الإمام الحسين (عليه السلام) ولو بشيء بسيط وأشعر بالفخر لأنني أساهم في هذه المراسيم العاشورائية.
بيوت الله
من جانبه قال أبو حيدر وهو موظف في العقد الخامس من عمره: تستنفر جميع الأماكن جهودها خلال شهري محرم وصفر ومن بينها بيوت الله (الجوامع) التي لا يقتصر دورها على إقامة مجالس العزاء وإحياء الشعائر الحسينية وأداء الصلوات فحسب، بل تسهم أيضا في تقديم محاضرات دينية وفقهية وثقافية قيمة تتناول الأبعاد الفكرية لقضية عاشوراء ورسالتها السامية، وأنا شخصيا أحرص على المشاركة في هذه المراسيم بشكل يومي لقرب بيتي من الجامع وإيماني بأهمية ما تقدمه من توعية وإرشاد.
جيلا بعد جيل
مراسيم عاشوراء لا تقتصر استعداداتها على المنازل فقط بل تمتد إلى الشوارع والحسينيات والمواكب التي تشهد حركة دؤوبة لتجهيز أماكن العزاء وتوفير المستلزمات اللازمة لإحياء الشعائر الحسينية.
هكذا تستقبل مدينة كربلاء المقدسة شهر محرم الحرام بمظاهر متعددة تتنوع بين رفع الرايات السوداء وإقامة المجالس وتجهيز التكايا والمواكب في لوحة تعكس ارتباط الأهالي بذكرى عاشوراء وحرصهم على إحياء هذه المناسبة جيلا بعد جيل لتبقى رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) حاضرة في القلوب والوجدان.








اضافةتعليق
التعليقات