لم تكن ظلمة العينين كافية لتطفئ نور القلب، فمنذ سنوات طويلة اعتاد الحاج طاهر الياسري أن يستقبل شهر محرم الحرام بفتح مجلسه الحسيني مشاركا في كل تفاصيله من إعداد المكان وتجهيز الضيافة إلى خدمة المعزين وإحياء الشعائر حتى غدت هذه المراسم جزءا من روحه وكيانه.
لكن القدر حمل له امتحانا قاسيا حين تعرض لحادث أفقده بصره لتتغير تفاصيل حياته كلها إلا أن شيئا واحدا لم يتغير، حبه للإمام الحسين (عليه السلام) وتمسكه بخدمة مجالسه فبرغم فقدانه نعمة البصر ما زال الحاج طاهر يحضر مجلسه الحسيني منذ اليوم الأول من شهر محرم مواصلا رسالته العاشورائية بعزيمة لم تنكسر مؤكدا أن من أبصر بقلبه لا تعيقه ظلمة العيون.
عاشوراء عهد متجدد
إن ثورة الامام الحسين (عليه السلام) ليست حدثا عابرا في صفحات التاريخ بل شكلت منعطفا انسانيا عظيما جسد قيم العدل والكرامة ورفض الظلم ليقدم في كربلاء المقدسة أعظم صور التضحية والفداء دفاعا عن الحق، وبهذا اعتلت المنابر رسالته الأبية لتنقلها من جيل لآخر.
(بشرى حياة) كانت لها جولة استطلاعية حول البعد الفكري لثورة الامام الحسين (عليه السلام).
رمز عالمي
يحدثنا الأستاذ الجامعي أحمد الغزالي قائلا: إن خروج الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن سعيا إلى سلطة أو مكسب دنيوي وإنما كان موقفا إصلاحيا هدفه حماية القيم الإسلامية من الانحراف وقد عبر الإمام عن ذلك بقوله المشهور (إني لم أخرج أشرا ولا بطرا وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي(.
وأضاف: إن واقعة الطف أصبحت رمزا عالمياً للتضحية من أجل المبادئ وأن الكثير من حركات التحرر في العالم استلهمت من ثورة الإمام دروس الصبر والثبات.
سر الخلود
من جانبها، ترى المهندسة شروق كريم أن سر خلود النهضة الحسينية يكمن في بعدها الإنساني، موضحةً: إن الامام الحسين (عليه السلام) لم يدافع عن فئة أو جماعة بعينها بل دافع عن قيم الحق والعدالة التي يحتاجها كل مجتمع لذلك بقيت رسالته حية في وجدان الشعوب ولأن الصراع بين الحق والباطل ما زال قائما بأشكال مختلفة نجد الشباب يستلهمون من ثورة الامام قوة الإرادة والتمسك بالمبادئ.
منهج متكامل
بدوره أوضح الشيخ عقيل الأسدي، أن ثورة الإمام الحسين تمثل منهجا أخلاقيا متكاملا.
واسترسل قائلا: إن الإمام الحسين (عليه السلام) علم البشرية أن السكوت على الظلم يساهم في انتشاره وأن الوقوف بوجه الانحراف مسؤولية تقع على عاتق الجميع، لذلك كانت تضحيته لا مثيل لها إذ ضحى بنفسه وأهل بيته وأصحابه ليحفظ رسالة الإسلام الأصيلة ويعيد للأمة وعيها.
وتابع: إن إحياء ذكرى عاشوراء لا يقتصر على مظاهر الحزن فحسب بل ينبغي أن يترجم إلى سلوك عملي يتمثل بنصرة المظلوم ونشر قيم العدالة والتسامح والإصلاح التي دعا إليها الإمام، لذلك يجب أن تتمثل مراسيم عاشوراء في أطر تقدر حجم التضحية وما تحمله من بعد فكري وعلى الجهات المعنية الحد من أي عادات دخيلة ومسيئة للثورة الحسينية لتبقى ثورة الامام نبراس يقتدى بها عبر الأجيال.
مسك الختام
وهكذا تبقى عاشوراء صوت الحق الذي يتردد صداه عبر الأجيال، فالحاج طاهر وغيره من خَدَمة الإمام الحسين (عليه السلام) كانوا وما زالوا نموذجا للإخلاص والوفاء متحدين ظروفهم الصحية والمادية من أجل إحياء الشعائر الحسينية، وستبقى هذه الرسالة تنتقل من الآباء إلى الأبناء لتظل عاشوراء ثورة لا تنطفئ ومنهجا حيا يرسخ قيم التضحية والصبر والوفاء في نفوس المؤمنين.








اضافةتعليق
التعليقات