يعد التطور المنهجي ضرورة علمية ينشدها أغلب المفكرين والباحثين؛ لذلك فإن العقل الإنساني يذهب إلى التطور السريع بغية مواكبته، ولكن في ركن الايمان والعقيدة فإن العقول ثابتة ومتواطئة ومريدة ومحبة؛ لكونها تنشد الكمال الذي يوصلها إلى القرب من الله تعالى، فاذا تكلمنا عن الأسباب والمسببات، فان سبب طلب الكمال هو أننا خلقنا لنرتقي والمسبب لذلك أن الحياة محطة اختبار، فمن نجح فاز بخير الدنيا والآخرة، ومن أخفق فلا نقول الا قول الله تعالى : {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ} (طه/124) .
ولان الإسلام هو خاتم الرسالات والنبي محمد (صلى الله عليه واله) خاتم الأنبياء والمرسلين وعترته الطاهرة هم الامتداد العقائدي الصحيح الذي جعله الله تعالى ليقود الإنسانية الى بر الأمان والاستقرار والوعي والانتباه الى جميع الاختبارات التي نلاقيها أو نتعرض لها على طول فترة حياتنا الدنيا، فهل يمكننا أن نتصور بأن رسالة الحسين (عليه السلام) كانت بعيدة عن رسالة جده المصطفى، وهل أرض كربلاء لها علاقة بعالمية الرسالة المحمدية والشهادة الحسينية؟
لعلنا نجيب على تساؤلاتنا ببعض الاخبار التي جاءت في كتب التراث الإسلامي عن روايات اهل البيت (عليهم السلام) ومنها ((إنّ الكعبة المكرّمة وأرض مكّة هي أوّل أرض بكت على مصائب الحسين (عليه السلام)، كما في رواية: «لمّا افتخرت الكعبة وقالت من مثلي؟ قال الله تعالى: لا تفتخري يا كعبة! فإنّي خلقت البيت المعمور وجعلته أشرف منك مائة ألف مرّة، وخلقت العرش وجعلته أشرف منك ومن البيت المعمور مائة ألف مرّة، وخلقت أرضًا طيبة قبل خلقك وقبل خلق جميع الأرضين بأربع وعشرين ألف سنة وجعلت شرافتها وعظمتها أكثر منك ومن البيت المعمور ومن العرش بمائة ألف مرّة، ولو لم يكن لحرمتها ما خلقتك ولا خلقت السماوات والأرضين. فقالت: يا ربّ! وما تلك الأرض؟ فقال هذه أرض جعلت تربتها شفاءً من كلّ داء. فقالت: يا ربّ! فأوضح لي. قال: أرض أمرت ملائكة العرش أن تزورها كلّ يوم ويصعد بتربتها إلى العرش للبركة. فقالت: يا ربّ! فأوضح لي أيّ أرض هي؟ قال الله تعالى: هي أرض قد حلفت ألا أُعذّب من دفن فيها ولا أُحاسبه يوم القيامة. فقالت: يا ربّ! أوضح لي أيّ أرض هذه؟ قال تعالى: هي أرض آليت على نفسي قبل خلق السماوات والأرضين بأربعين ألف عام أنّ هذه الأرض الطيبة ومن عليها أصعدها يوم القيامة وأضعها فوق العرش. فقالت: يا ربّ! أوضح لي. قال: هي أرض من سجد عليها وعلى تربتها مرّة واحدة فكأنمّا سجد لي ألف عام وحجّ بيتي ألف عام وصلّى وصام ألف عام. ثمّ قالت: يا ربّ! أوضح لي. فقال الله تعالى: هي أرض يقتل فيها سبط النبيّ المختار وسيّد شباب أهل الجنّة أبو عبد الله الحسين (عليه السلام)، ويدفن فيها مع عترته الطاهرة وأصحابه البررة، فبكت مكّة بكاءً شديدًا([1]).
وهناك روايات أُخر تدلّ علی أفضليّة أرض کربلاء وأنّها خلقت قبل أرض مكة والكعبة، منها:
1- عَنْ أَبِي الْجَارُودِ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(عليه السلام) اتَّخَذَ اللَّهُ أَرْضَ كَرْبَلَاءَ حَرَماً آمِناً مُبَارَكاً قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ أَرْضَ الْكَعْبَةِ وَ يَتَّخِذَهَا حَرَماً بِأَرْبَعَةٍ وَ عِشْرِينَ أَلْفَ عَامٍ وَ إِنَّهُ إِذَا زَلْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الْأَرْضَ وَ سَيَّرَهَا رُفِعَتْ كَمَا هِيَ بِتُرْبَتِهَا نُورَانِيَةً صَافِيَةً فَجُعِلَتْ فِي أَفْضَلِ رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَ أَفْضَلِ مَسْكَنٍ فِي الْجَنَّةِ لَا يَسْكُنُهَا إِلَّا النَّبِيُّونَ وَ الْمُرْسَلُونَ أَوْ قَالَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَ إِنَّهَا لَتَزْهَرُ بَيْنَ رِيَاضِ الْجَنَّةِ كَمَا يَزْهَرُ الْكَوْكَبُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ يَغْشَى نُورُهَا أَبْصَارَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ هِيَ تُنَادِي أَنَا أَرْضُ اللَّهِ الْمُقَدَّسَةُ الطَّيِّبَةُ الْمُبَارَكَةُ الَّتِي تَضَمَّنْتُ سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ وَ سَيِّدَ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ([2])
2- وعَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ خَلَقَ اللَّهُ أَرْضَ كَرْبَلَاءَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ أَرْضَ الْكَعْبَةِ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ عَامٍ وَقَدَّسَهَا وَبَارَكَ عَلَيْهَا فَمَا زَالَتْ قَبْلَ خَلْقِ اللَّهِ الْخَلْقَ مُقَدَّسَةً مُبَارَكَةً لَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَجْعَلَهَا اللَّهُ أَفْضَلَ أَرْضٍ فِي الْجَنَّةِ وَأَفْضَلَ مَنْزِلٍ وَمَسْكَنٍ يُسْكِنُ اللَّهُ فِيهِ أَوْلِيَاءَهُ فِي الْجَنَّةِ ([3])
3- كما أنّ رسول الله أوّل من أخبر الحسين (عليه السلا) بأنّه سيشهد وأصحابه في أرض يقال لها: عموراء (وهو من أسماء كربلاء)، فقد قال النبي الاكرم (صلوات الله عليه واله وسلم) للامام الحسين عليه السلام: (( يا بنيّ! إنّك ستساق إلى العراق، وهي أرض قد التقى بها النبيّين وأوصياء النبيّين، وهي أرض تدعى عموراء، وإنّك ستشهد ويشهد معك جماعة من أصحابك، لا يذوقون ألم مسّ الحديد، وتلا صلى الله عليه واله وسلم هذه الآية: {يٰا نٰارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاٰماً عَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ ([4])} يكون الحرب عليك وعليهم بردًا)) ([5]).
لذلك فإننا اذا اردنا أن ننشد الكمال في الدين والدنيا علينا أن نعي بان كربلاء لم تكن مجرد أرض دفن فيها بضعة رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وانما هي ارض ذات علو شأن بإرادة الخالق جل وعلا، ويمكننا أن نجزم بذلك، لكونها محط اهتمام ملايين الزائرين المتوافدين عليها كل عام، وفي عديد من المناسبات العقائدية لكونها تحتضن اجساد مطهرة من نسل النبوة سيد الشهداء الامام الحسين (عليه السلام) وجماعة من اخوته وعلى رأسهم الامام ابي الفضل العباس وجماعة من بنيه وجماعة من اصحابه.
ولو عدنا الى التطور المنهجي الذي ابتدأنا به القول فأنه يعد رابط متين يمكن من خلاله الوقوف على كنوز معرفية عديدة لو وظفناها في قراءة أهمية التواصل العالمي بكربلاء الحسين (عليه السلام).
كما اننا يمكننا ان نحصي او نحصل على عدد تقريبي للمؤمنين الذي خصهم أمير المؤمنين علي عليه السلام حيث قال: ((إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد ابداً))([6])
وها نحن نشاهد عبر وسائل التواصل والقنوات الفضائية العالمية عدد الزائرين سنويا للإمام الحسين (عليه السلام)
وأخيرا نستنتج مما تقدم:
1- إن كربلاء أرض مقدسة دفنت بها أجساد مطهرة
2- في تربتها شفاء للأمراض بل الامراض المستعصية بأذن الله تعالى لعظيم شئنها.
3- يجتمع فيها على حب الحسين المؤمنون الذين يذرفون الدموع قهراً والماً لمصابه في طف كربلاء.
4- حاملة رسالة ابدية في قول الحسين (عليه السلام) عند وقوفه امام اعدائه ((اني لم اخرج اشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وانما خرجت من اجل الإصلاح في امة جدي، امر بالمعروف وانهى عن المنكر، واسير بسيرة جدي وابي علي بن ابي طالب (عيه السلام)))([7])
5- هي كعبة الأحرار الذين ينشدون الكمال ويبحثون عن رضى الرحمن.
والحديث يطول عن كربلاء العبودية لله تعالى والحرية من كيد الشيطان لعنه الله، لذلك فإن الأقلام لو افردت في البحث والتنقيب عنها لما توقفت لعظيم ما فيها من تراث ومن علوم تنفع البشرية جمعاء عقائديا وعقليا وطبياً واجتماعياً ولأنتج فيها من المؤلفات النادرة التي تقودنا الى أن نحيا منهج الامام الحسين (عليه السلام) من حيث تسليمه لأمر الله تعالى وتفانيه في سبيل اعلاء كلمة الله تعالى واحقاق الحق ونبذ الباطل، ونحن بذلك نحافظ على الجانب الروحي الايماني الذي ينتشلنا من الحياة المادية التي ينشدها الكثير من الناس الى حياة الروح الايمانية المحبة والمسلمة لأمر الله تعالى والتي تامر بالمعروف وتنهى عن المنكر فتنهج منهجيات أدبية وعقائدية ذات أساس متين يحفظها من الزوال والاضمحلال والوقوع في هاوية جهنم وبئس المصير، فكلنا مطالبون بالبحث والتنقيب والتوعية لأهمية فائدة هذه الأرض للإنسان والإنسانية.



اضافةتعليق
التعليقات