هناك ذكريات لا يطويها الزمن، وأسماء لا تصبح مجرد صفحات في كتاب، بل تتحول إلى مدرسةٍ يعيش أثرها في قلوب الناس، فبعض الشخصيات لا يخلّدها طول العمر، بل يخلّدها ما تركته خلفها من أثرٍ وقيم.
ومع كل اقتراب لشهر محرم يتكرر سؤالٌ قديم يتجدد لدى البعض:
“أهوووه، رجع محرم من جديد…"
سيبدأ البكاء واللطم، شهران من العزاء والمجالس! شخصٌ مات منذ آلاف السنين، فلماذا ما زلتم تندبونه؟ لماذا كل هذا الحزن بعد كل هذه القرون؟”
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكن جوابه لا يبدأ من الحزن فقط، بل يبدأ من معرفة من هو هذا الإنسان الذي بقي ذكره حيًّا رغم مرور الزمن.
فنحن لا نحب الحسين عليه السلام فقط لأنه شخصية عظيمة في مذهبنا، ولا لأنه رمزٌ ديني نُؤمر بحبه، بل لأن هناك أشخاصًا تستحقهم القلوب قبل أن تعرفهم الكتب؛ أشخاصًا تكون مواقفهم أعظم من أن تُنسى، وكلماتهم أعمق من أن يطويها الزمن.
فكر قليلًا: عندما تحب شخصًا وتعجب بأخلاقه وأسلوبه وكلماته، ألا تحفظ بعض عباراته؟ ألا تكتب عنه؟ ألا تذكر صفاته الجميلة وتفتخر بما قدمه؟ سواء كان عالمًا أو أديبًا أو شخصية مؤثرة في أي مجال… هل سيقف أحد معترضًا على حبك واحترامك له؟
فكيف يكون الأمر مع شخصيةٍ حملت من القيم والمواقف ما جعلها خالدة في ضمير الملايين؟ كيف يكون الأمر مع رجلٍ اجتمع فيه الصبر والشجاعة والكرامة ونصرة الحق؟ وكيف يكون الأمر مع سبط رسول الله ﷺ، ابن ابنته فاطمة الزهراء عليها السلام، الذي كان له مكانة عظيمة عند المسلمين؟
إن بعض الأشخاص لا يخلّدهم الزمن لأنهم عاشوا طويلًا، بل لأنهم تركوا أثرًا لا يموت.
وقد يُطرح سؤال آخر:
"أليس في الأمر مبالغة؟ لماذا تتغير بعض العادات في محرم وصفر؟ لماذا يبتعد البعض عن بعض مظاهر الفرح والزينة في هذه الأيام؟"
والجواب قد يكون أقرب مما نتخيل.
تخيل أن شخصًا عزيزًا عليك رحل، والدًا كان أو والدةً أو أي إنسان له مكانة كبيرة في قلبك… هل ستكون في تلك الأيام تفكر بالأمور التي تفعلها في أوقات الفرح؟ أم أن الحزن والاشتياق سيجعلانك تراعي ذكرى ذلك الشخص وتحترم مصابه؟
وهنا أتذكر موقفًا بقي في ذاكرتي منذ طفولتي.
كنت في إحدى سنوات صغري أجلس مرتدية السواد في أيام محرم، وأتناول بذور عباد الشمس، فنظر إلي والدي وقال:
"بابا، لا تأكلين حب بمحرم… اتركيه."
فأجبته ببراءة:
"ولمَ يا أبي؟"
كان يعلم أن عقلي الصغير لن يدرك المعنى الكامل، فشرح لي بطريقة بسيطة فقال:
"لو أبوكِ مات، هل كنتِ ستأكلين الحب في أيام حزنه وأربعينه؟"
أجبته مستغربة:
"لا… لكن ما العلاقة؟"
فقال:
"إذا كنتِ لا تفعلين ذلك مع إنسان عادي تحبينه وتحزنين عليه، فكيف يكون الأمر مع الحسين؟ ليس فقط لأنها ذكرى استشهاده، بل احترامًا لمصاب أخته زينب عليها السلام، ومواساةً لفاطمة الزهراء عليها السلام".
ومنذ ذلك اليوم، فهمت معنى لم يكن مرتبطًا بفعلٍ أو ترك فعلٍ فقط؛ فهمت أن بعض المناسبات تحمل معها مشاعر ومواساة واحترامًا لذكرى عظيمة.
فالبكاء على الحسين عليه السلام ليس مجرد حزنٍ على حدثٍ مضى، بل هو تعبير عن حبٍ وولاءٍ وتعظيمٍ لقيمةٍ نراها في تلك الشخصية؛ فالعين تبكي حين يعجز القلب عن وصف ما يحمل.
إنه ليس بكاءً على الماضي فقط، بل هو شعورٌ تجاه مبدأ بقي حاضرًا، وتجاه سيرةٍ يرى فيها الإنسان معاني الصبر والكرامة والثبات.
فعاشوراء ليست مجرد حادثة انتهت في الماضي، ومحرم ليس مجرد شهرٍ يعود كل عام، بل هو ذكرى تحمل أسئلة عن الإنسان ومواقفه ومبادئه.
ولهذا لا نبكي على رجلٍ مضى جسده قبل ألف عام… بل نقف أمام أثر رجلٍ بقي حيًّا في القلوب.








اضافةتعليق
التعليقات