لم يتوانَ إبراهيم الخليل عن الامتثال للأمر الإلهي بذبح ولده العزيز، ولم يعارض إسماعيل ذلك الأمر، بل كان التسليم منهما تاماً، لولا رحمة الله التي تجلت في اللحظة الأخيرة، وآية الفداء التي نزلت فحفظت رقبة الذبيح وأسكنت قلب الأب الحاني.
وكذلك لم يتوانَ الحسين بن علي (عليه السلام) عن الامتثال لأمر الله، إلا أن الذبح هذه المرة لم يُفدَ، ولم تتراجع السيوف عن مهمتها. فأيُّ تسليمٍ هذا الذي مضى بالحسين وأهل بيته إلى تلك النقطة التي لا عودة منها؟ وأيُّ قلبٍ يوكِل أمره كله إلى الله حتى يقول، حين سُئل: كيف أصبحت يا ابن رسول الله؟
«أصبحتُ ولي ربٌّ فوقي، والنار أمامي، والموت يطلبني، والحساب محدقٌ بي، وأنا مرتهنٌ بعملي، لا أجد ما أحب، ولا أدفع ما أكره، والأمور بيد غيري، فإن شاء عذبني وإن شاء عفا عني، فأيُّ فقيرٍ أفقر مني؟». (١)
إن مفهوم التسليم لإرادة الله لا يبلغ سهولة لفظ الكلمة؛ فهو يبدو يسيرًا ما دمت واقفًا على برٍّ آمن، فتقول: أسلمت أمري لله. لكن ما إن يتأخر عنك رزقٌ كنت تنتظره، أو تتعطل سيارتك في الطريق، أو تخيب لك رغبة، حتى يبدأ الامتحان الحقيقي. يحتقن الوجه غضبًا، وتتلاشى علامات الرضا، ويصعب على النفس أن تسمع من يقول: «لعل في الأمر خير»، بينما يجيبها القلب: وأي خيرٍ في هذا؟
يمتلك الإنسان إراداتٍ كثيرة؛ إرادة الرفاهية، وإرادة النجاح، وإرادة البقاء، وإرادة التملك، وغيرها من الرغبات التي تدفعه إلى السعي الدائم والاستزادة. وغالبًا ما يميل الناس إلى الإرادات الأقرب إلى النفس، تلك التي تحقق المصلحة الشخصية أو تحفظ السلامة الفردية. لكن هناك إرادةً أخرى تسمو بالإنسان فوق ذاته، لا لتلغيها، بل لتهذبها وتوجهها نحو الحق. تلك هي إرادة التسليم.
قد يبدو التسليم، للوهلة الأولى، خيارًا اضطراريًا لمن لا يملك بديلًا، لكنه في حقيقته إرادةٌ قائمة بذاتها، لها ثقلها الخاص في تربية النفس وصناعة الإنسان. فالمستسلم اضطرارًا ليس إلا أسيرًا؛ ولو امتلك حق الرفض لاختاره. أما المستسلم الحر فهو من يملك القدرة على الاعتراض، ثم يختار الرضا، ويملك القدرة على التراجع، ثم يختار المضي.
في قصة إبراهيم كان الاختبار في الاستعداد للتضحية، أما في قصة الحسين (عليه السلام) فكان الاختبار في المضي بهذه التضحية حتى نهايتها. هناك تجلت إرادة الامتثال، وهنا تجلت إرادة الثبات.
إن كربلاء ومعركة الطف ليستا حادثةً تاريخية يمرّ عليها المسلمون أيامًا معدودة من كل عام، وليستا مجرد ذكرى للحزن، بل منهج حياةٍ يتجدد في كل يوم. فكما يذكّرك العطش بظمأ ريقه الشريف (عليه السلام)، ينبغي أن يذكّرك كل صباح بالإرادة التي ستقود يومك: أهي إرادة النفس ورغباتها، أم إرادة الحق التي تسمو بالإنسان فوق أهوائه؟
لقد جسّد نبي الله ابراهيم والإمام الحسين (عليهما السلام) صورتين عظيمتين للتسليم؛ تسليمٌ تجلّى في الاستعداد للتضحية، وتسليمٌ تجلّى في المضي بها حتى نهايتها. وبين المشهدين درسٌ يعلّم الإنسان أن الرضا بقضاء الله ليس استسلامًا للضعف، بل قوةٌ تُهذّب الإرادة وتوجّهها نحو الحق. وهنا ينبغي أن يُطرح سؤالٌ مع كل صباح، أي إرادة ستختار اليوم؟ إرادةٌ تريدها النفس أم إرادةٌ نحو سموٍ آخر يأخذ نوره من تسليم الخليل المؤقت، إلى تسليم الشهيد المطلق.








اضافةتعليق
التعليقات