تخيَّل أن تستيقظ يومًا وتجد أن الزمن قد توقّف تمامًا؛ لا صباح ولا مساء، لا مواعيد ولا آجال، لا ترتيب للأعمال ولا تعاقب للأيام. قد يبدو الأمر للوهلة الأولى تحرّرًا من القيود، فـ«لاحقًا» قد فقدت معناها تمامًا، لكنه في حقيقته بداية الانهيار؛ لأن الزمن ليس مجرد ساعات تتحرّك، بل هو العمود الفقري للنظام الذي قامت عليه الحياة، ومع سقوط النظام تسقط الحياة نفسها، وتتحوّل الحرية الموهومة إلى فوضى مدمّرة. فلا مساء سيأتي، ولا ليل سيحل، ولا غد في التاريخ. فمتى سينام الإنسان؟ ومتى سيصحو؟ ومتى سينجز أعماله؟ ومتى… ومتى… متى؟
إن أول ما ينهار في غياب الزمن هو ميزان الانتظام، ذلك الميزان الذي أقامه الله تعالى في الكون كله، وجعل عليه قيام الوجود واستمرار الحياة. فالله تعالى لم يخلق شيئًا عبثًا ولا مصادفة، بل خلق كل شيء بقدر ونظام دقيق:
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، و﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾.
الليل والنهار يتعاقبان بلا خلل، والكواكب تدور بلا اضطراب، والفصول تتبدّل بانتظام، حتى نبضات القلب وأنفاس الإنسان تسير وفق نظام محكم لا يختل، ولو اختل هذا النظام لحظة واحدة لاختلّ الكون كله. فالزمن في جوهره ليس اختراعًا بشريًا، بل نظام إلهي لتنظيم الحياة، وضبط حركة الإنسان، وترتيب أعماله، وحماية الوجود من العبث والانفلات.
فلولا وجود الأيام لما انتظم جدول الأعمال، ولولا الليل والنهار لما انتظم النوم، ولولا الفصول لما عرفت الأشجار متى تزهر. وأول من يتأثر بغياب الزمن هو الإنسان، لأن حياته كلها تدور ضمن نظام دقيق خلقه الله تعالى لخدمته.
ويخطئ من يظن أن غياب النظام يعني الحرية؛ لأن الفوضى ليست حرية، بل انهيار. في عالم بلا نظام تضيع الحقوق، وتختلط الواجبات، وتتوقف المسؤوليات، وتُقتل القيم باسم المزاج والهوى. الإنسان حين يعيش بلا نظام لا يتحرّر، بل يضيع؛ لأن النفس البشرية تحتاج إلى إطار تنتظم داخله، لا إلى فراغ تسقط فيه. الفوضى لا تنقذ الإنسان من القيود، بل تسلبه المعنى، وتحرمه الاستقرار، وتجرّده من القدرة على البناء.
ومن هنا نفهم لماذا جاء الإسلام دينَ نظام قبل أن يكون دين شعارات. لم يأتِ الإسلام ليترك الإنسان فوضويًا في عبادته أو معاملاته أو علاقاته، بل جاء ليبني إنسانًا منضبطًا متوازنًا منتظمًا في حياته كلها. فجعل للصلاة أوقاتًا محددة لا عبث فيها ولا تأجيل، وجعل للصيام زمنًا معلومًا يبدأ وينتهي بدقة، وجعل للحج أيامًا وأوقات ومناسك لا تؤدّى إلا بترتيب، وجعل للمعاملات ضوابط، وللعقود شروطًا، وللحقوق ميزانًا، وللواجبات حدودًا. حتى أدق تفاصيل الحياة لم يتركها الإسلام سائبة، بل أحاطها بإطار يحفظ توازن الإنسان ويمنعه من الانزلاق إلى الفوضى النفسية والاجتماعية.
وحين يكون الإنسان منظمًا في وقته، في كلامه، في عمله، في علاقاته، فإنه لا يمارس مجرد سلوك إداري، بل يعكس قيمة إيمانية عميقة؛ لأنه يتشبه بنظام الكون الذي أراده الله تعالى، ويجعل من حياته صورة مصغّرة عن النظام الإلهي الكبير. الإنسان المنظم يحترم نفسه، ويحترم الآخرين، ويحترم الوقت لأنه نعمة إلهية، ويحترم الحياة لأنها أمانة لا عبث فيها. أما الإنسان الفوضوي فلا يضر نفسه وحدها، بل يساهم في إفساد المجتمع، وتعطيل المصالح، وتضييع الحقوق، وإرباك القيم، وإشاعة العبث حيث يجب أن يسود الانضباط.
ولو اختفى الزمن يومًا واحدًا لانكشف زيف الفوضى بكل وضوح. سيظنّ البعض في البداية أنه تحرّر، لكنه سرعان ما سيكتشف أنه فقد البوصلة. لن يعرف متى يعمل، ولا متى يستريح، ولا متى يلتقي، ولا متى يعتذر، ولا متى يُصلح، ولا متى يتوب. سيسقط الإنسان في فراغ مربك لا يمنحه راحة، بل يسرق منه المعنى، وسيدرك أن الزمن لم يكن قيدًا، بل نعمة، وأن النظام لم يكن عبئًا، بل رحمة، وأن الانتظام لم يكن تضييقًا، بل حفاظًا على إنسانيته واستقامته.
إن الله تعالى لم يخلق الحياة عبثًا، بل أقامها على نظام دقيق، وجعل الزمن وسيلة لتنظيم الوجود، وحفظ الحقوق، وبناء الحضارات، وصيانة القيم.
وعلى الإنسان أن يكون صورة لهذا النظام في سلوكه، وفي عبادته، وفي عمله، وفي أخلاقه، وفي علاقاته؛ لأن الفوضى لا تبني إنسانًا، ولا تصنع أمة، ولا تقود إلى الله، أما النظام فهو طريق العمران، وطريق الاستقامة، وطريق الحياة التي أرادها الله.








اضافةتعليق
التعليقات