في زاوية منسية من مقهى قديم يجلس شيخٌ وقور يراقب شاباً يندبُ حظه بمرارة، ويقسمُ مغلظاً: "أنا أعلم أنني لن أنجح أبداً، النحس يلاحقني كظلي، وسأبقى هكذا للأبد".
ابتسم الشيخ بهدوء، واقترب منه قائلاً: "يا بني، احذر فإن القدر كان واقفاً خلف الباب ينتظر منك جملة ليختم عليها بـ (تم)، فلقد صغت قيدك بلسانك، ثم تساءلت من الذي كبلك؟".
سحر الكلمة.. أو فخها
يقولون في المأثور من القول: "البلاءُ موكلٌ بالمنطق"، وهي ليست مجرد حكمة عابرة، بل قانون كوني عميق، فالمنطق هنا هو "النطق"، أي أن المصيبة أو العطايا تتبع ما تنطق به وتؤمن بحدوثه، فالكلمة ليست هواءً يخرج من الرئتين، بل هي بذرة تبذر في تربة الغيب، وما تلبث أن تنمو لتصبح واقعاً نعيشه، وعندما تتحدث أنت لا تصفُ واقعك فحسب، بل أنت تخترعه، فاللسان هو ريشة الرسم التي تلون بها لوحة مستقبلك، فمنهم من يرسم بستاناً بكلمات الرضا والتفاؤل، ومنهم من يغرق لوحته بالسواد بكلمات التشاؤم والشكوى فالأقدار تؤخذ من الأفواه لأن العقل الباطن، والكون من خلفه، لا يفهم الهزل في إهانة الذات أو توقع الشر، فحين تقول "أخاف أن أفشل"، أنت ترسل دعوة مفتوحة للفشل لزيارتك، وحين تقول "أنا بخير والخير قادم"، أنت تفتح نوافذ الروح لاستقبال النور، ولو تأملت في قصص الصالحين والناجحين، تجد أنهم كانوا يملكون "أدباً مع القدر" في حديثهم لم يكن نبياً كأيوب عليه السلام ليشفى لولا صدق مناجاته، ولم يكن ليتحقق النصر لجيش يرى الهزيمة في كلماته قبل سيوفه.
كيف تعيد صياغة منطقك؟
إن التغيير لا يبدأ من الظروف المحيطة بك، بل من "القاموس" الذي تستخدمه داخل رأسك وعلى لسانك مثلاً
- استبدل "مستحيل" بـ "ممكن": فالأولى تغلق الأبواب، والثانية تترك مواربةً للأمل.
- توقف عن "التنبؤ بالسوء": فلا تسبق الحوادث بكلماتٍ موجعة، لكي لا يقع البلاء كما نطقته.
- قل خيراً أو اصمت: فالصمت أحياناً هو جدار حماية يمنعُ الأقدار الصعبة من العبور إليك.
وتذكر دائماً أن لسانك هو "مهندس" حياتك فلا تقل عما تخشاه "سيحدث"، بل قل عما ترجوه "سيكون"، فالله عند ظن عبدك به والظن أوله كلمة، وآخره واقع يُعاش، وأقداركم مخبأة في طيات حروفكم فانتقوا حروفكم كما تنتقون ثيابكم وأكثر، فإن القول بأن "الأقدار تؤخذ من الأفواه" ليس مجرد استعارة أدبية، بل هو إدراك لخطورة "الاستحقاق"، فعندما يكرر الإنسان جملةً ما، فإنه يبني في عقله الباطن نظاماً من الاعتقادات، وهذا النظام يعمل كمغناطيس يجذب الأحداث المتوافقة معه ، فمن ينطق بالفقر ولو كان غنياً، يضيقُ عليه عيشه، ومن يلهجُ بالحمد ولو كان في ضيق، يُفتح له من حيث لا يحتسب، في النهاية الكلمة هي "عقدٌ" تبرمه مع الحياة، والقدر موثق أمين يكتب خلفك ما تمليه عليه، وانتبه فإن سر "العدوى اللفظية" والبيئة المحيطة لا تتوقف عند كلماتنا الشخصية فحسب، بل تتعداه إلى ما نسمح لآذاننا بامتصاصه، فالمجالس التي يكثر فيها الندب والشكوى وتوقع الكوارث، تخلقُ مناخاً من "البلاء الجماعي".
وستدرك ختاماً نحن لسنا سوى صدى لأفكارنا التي تحولت إلى كلمات، الحياة مرآة ضخمة تعكسُ لك الكلمات التي تقذفها في وجهها، فإذا أردت أن يتغير ما يأتيك من الأقدار، فابدأ بتغيير ما يخرج من شفتيك، وارسم مستقبلك بأجمل العبارات، فالله سبحانه جعل في لسانك مفتاحاً لبابِ غيبه، فاحذر أن تفتحه على ما لا تطيق.








اضافةتعليق
التعليقات