في ليلة بدت نجومها كعيون أتعبها السهر، ترقب انطفاء سراج لم تشرق الأرض بمثله منذ دهر، فلم يكن جعفر بن محمد مجرد رجل يطوي أيامه الأخيرة بل كان المعنى لكل شيء، كان الروح التي تؤرق جسد الخلافة المتورم بالترف وحين جف مِداد المدينة بدأ ارتعاش القصر من رهبة الزهد.
هناك في قصر بغداد لم يكن المنصور ينام ملء جفنيه بل كان يطوف القاعة ذهاباً وإياباً، يهمس لنفسه: "جعفر غصة في حلقي"، لم يرسل إليه جيشاً بل أرسل السم مليئاً بمرارة الحقد، كان المنصور يعلم أن قتل جعفر بالسيف سيجعل من دمه نهراً يغرق عرشه، فاختار "الموت الصامت".
و في المدينة كان البيت المتواضع يفوح بعطر السجود، حتى دخل السم إلى أحشاء الإمام، فلم يئن أنين الانكسار بل كان يذوب كما تذوب الشمعة لتنير ما حولها، كان جسده قد نحل حتى صار كأنه خيط من نور، وكأن الروح لم تعد تجد في اللحم والدم متسعاً لفيضها.
وفي لحظات توقف فيها الزمن بعينين كأنهما مرآة للغيب، وهدوء يزلزل الأركان نطق الصادق (عليه السلام): "من عرف الله خاف الله، ومن خاف الله سكتت نفسه عن الدنيا"، هكذا نادى بأهله وصحبه والصوت يتهدج من أثر السم: "إن شفاعتنا لا تنال مستخفاً بالصلاة"، كانت هذه الكلمات هي الشيفرة التي تركها لأمة تخشى الضياع مبيناً أن العلم بلا عبادة هو جسد بلا روح.
رحيلُ "صادقِ" الوجود
حين حانت اللحظة الكبرى، سكن كل شيء، في تلك الدقيقة جفت المحابر في بيوت تلاميذه الأربعة آلاف، لقد رحل المعلم الذي كان يشرح العقل ويؤله القلب في آن واحد، خرج النعشُ بسيطاً محمولاً على أكتاف الدموع لا الأكتاف، ساروا به إلى البقيع ذلك التراب الذي ضم قبله جده الحسن وأباه الباقر، لم تكن هناك جنازة رسمية بل كان هناك يتمٌ كوني.
وضعوه في لحده وحين هُيل عليه التراب، شعر الناس أن المدينة أصبحت غريبة كأن الشوارع فقدت بوصلتها، والشمس خجلت أن تشرق في اليوم التالي على مدينة ليس فيها جعفر الرجل الذي ملأ الدنيا علماً (كيمياء، فلك، فقه، فلسفة)، يموت بسم غادر في زاوية منسية لكن علمه ظل يطارد قاتله في كل سطرٍ يُكتب.
واليوم تقف أمام قبره في البقيع لا تجد قبة ذهبية ولا مآذن شاهقة هذا الخفاء هو قمة التأثير حيث إن العظمة لا تحتاج إلى رخام لتثبت وجودها فجعفر الصادق بنى قبته في عقول الأحرار، وإن شهادته لم تكن موتاً بل كانت هجرة ثانية، هجرة من ضيق الجسد إلى سعة الخلود، لقد ظنوا أنهم أطفأوا السراج ولم يدركوا أنهم كسروا المصباح ليتحرر النور ويملأ الآفاق.
فسلامٌ عليه يوم غرس العلم، ويوم سُقي السم، ويوم يبعث حجة على العصور.








اضافةتعليق
التعليقات