• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

قراءة في فلسفة الحياد المشوه

هدى المفرجي / الأثنين 04 آيار 2026 / تربية / 582
شارك الموضوع :

إن التاريخ لا يكتبه المحايدون، بل يكتبه من امتلكوا شجاعة الانحياز للقيم

حين تتكسر أمواج الصراع على صخور الواقع وتختلط الأصوات في جلبة الزمان يهرع الكثيرون إلى استعارة ثوب "الحياد" ذلك الرداء الرمادي الذي يظنونه درعاً يقي حامله لظى الملامة، يسكنون في تلك المسافة الفاصلة تلك "المنطقةِ العمياء" التي تقع تماماً في منتصف المسافة بين حد السيف وعنق الضحية، وبين صرخة المظلوم وقهقهة الطاغية زاعمين أن الوقوف في المنتصف هو قمة الحكمة وسنام العقل، لكن هل كان الحياد يوماً مجرد هندسةِ مسافات وهل الاستواء بين نقيضين هو فضيلة تليق بقلب ينبض؟

​إن الحقيقة ليست خيطاً أفقياً يمده المترددون ليمشوا عليه بهلوانياً خوفاً من السقوط، بل هي عمود نور قائم بذاته، إنها ليست نقطة تتوسط المسافة بين الجلاد ومن يرزح تحت سوطه، بل هي الانحياز الكامل لجوهر الوجود الأصيل ففي كنف الحقيقة يصبح الوقوف في المنتصف ليس إلا نوعاً من "الخيانة الأنيقة"، صمتاً يرتدي قناع الوقار بينما يئن الصدقُ تحت وطأة التساوي مع الزيف، ولنُبحر أكثر في تفاصيل هذا المفهوم لنكتشف كيف يمكن للحياد الموهوم أن يكون خنجراً في خاصرة العدل، إن بين يدي هذا التساؤل الفلسفي العميق يظن الكثيرون أن الحياد هو مجرد وقوف في النقطة "صفر" بين كفتي الميزان أو أنه تلك المسافة الآمنة التي تفصلنا عن ضجيج المعارك لكن الحقيقة والواقع يخبراننا أن الحياد ليس دائماً فضيلة، بل قد يكون في بعض الأحيان ستاراً يختبئ خلفه العجز أو التخاذل.

فليس الحياد صمتاً أخرساً ولا هو منطقةٌ رمادية تسكنها الأرواح الهاربة من صقيع المواجهة إن المفهوم الشائع للحياد بوصفه "وقوفاً في المنتصف" هو في الحقيقة فخ للمنطق فالعالم ليس دائماً خصومة بين حقين، بل هو في الغالب صراع بين شمس ساطعة وعتمة حالكة وفي هذا الصراع لا يوجد "منتصف".

​المساواة بين المتناقضات

​أن تقف في المنتصف بين الضحية وجلادها أو بين الحقيقة والزيف ليس حياداً بل هو انحياز ضمني للباطل فالمساواة في المسافة بين الحق والباطل تمنح الباطل شرعية لا يستحقها، وتجعل من الحقيقة مجرد "وجهة نظر" قابلة للنقاش فالحياد الحقيقي ليس أن تمسك العصا من المنتصف، بل أن تمسك بالحق أينما مال وهذا ما يشير إليه الامام الصادق (عليه السلام) في قوله :"إن من حقيقة الإيمان أن تؤثر الحقّ وإن ضرّك على الباطل وإن نفعك، وأن لا يجوز منطقك علمك".

فالحياد النبيل هو الموضوعية أي أن تجرد نفسك من الأهواء والمصالح الشخصية لترى الأشياء على حقيقتها، لا أن تلغي عقلك لتتخذ وضعية المتفرج، هو أن تكون مرآة تعكس الواقع بصدق حتى لو كان ذلك الصدق سيجبرك على مغادرة مربع الصمت والجهر بكلمة تقلب موازين "المنتصف"،​ ولعل أبلغ ما قيل في نقد الحياد السلبي الذي يضيع فيه الحق، هو قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في وصف من اعتزلوا القتال معه ولم ينضموا للطرف الآخر: ​"خَذَلُوا الْحَقَّ، وَلَمْ يَنصُرُوا الْبَاطِلَ".

​بهذه الكلمات القليلة شخص الإمام (عليه السلام) علة أولئك الذين يظنون أن كف اليد عن الفعل هو "سلامة" ولقد اعتبرهم "خاذلين للحق" لأن الحق في لحظات الصراع الكبرى يحتاج إلى قوة تظهره، والسكوت عنه في تلك اللحظة ليس حياداً، بل هو إضعاف لجبهة الصدق، ومساهمة غير مباشرة في تمكين الزيف.

فالحقيقة ليست نقطة في منتصف الطريق بل هي غاية شامخة، والوقوف على الحقيقة هو الحياد الأسمى لأنه حياد عن الهوى لا حياد عن العدل، وإن هذا الحياد المشوه ليس مجرد نظرية في بطون الكتب بل هو مرض يتسلل إلى تفاصيل واقعنا المعاصر ليشل قدرتنا على التغيير فنحن نراه اليوم في المناهج التعليمية التي تقدم القضايا المصيرية كوجهات نظر متساوية، فتخرج جيلاً يبرع في الوصف ويفشل في اتخاذ الموقف.

​ونلمسه في عالم الصحافة والإعلام، حين يُمنح القاتل والمقتول وقتاً متساوياً على الشاشة تحت شعار الرأي والرأي الآخر، وكأن الحقيقة مجرد وسيط حسابي بين الجريمة والعدالة، بل إننا نمارسه في حياتنا اليومية، حين نرى التنمر أو الاستبداد في بيئات عملنا أو مجتمعاتنا، فنلوذ بصمت الحياد خوفاً على مصالحنا، متناسين أن هذا الصمت هو الوقود الذي يحترق به المظلوم.

و​إن هذا التواري خلف ستار الوقوف على مسافة واحدة في مواقف تتطلب انحيازاً أخلاقياً، ليس إلا محاولة بائسة لغسل اليد من دماء الحقيقة، بينما الواجب هو إذا رأيت الظلم فلا تبحث عن منتصف المسافة بل ابحث عن موضع الحق وقف فيه، فثمة مواقف يكون فيها الصمت ضجيجاً يخدم الظالم، والوقوف في المنتصف خيانة لضمير الإنسانية، وتذكر أن التاريخ لا يكتبه المحايدون، بل يكتبه من امتلكوا شجاعة الانحياز للقيم.

اهل البيت
المجتمع
السلوك
الحقيقة
الفكر
الحياد
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    السبت 03 تشرين الاول 2026/
    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    الأثنين 21 ايلول 2026/
    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    الخميس 17 ايلول 2026/
    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الأحد 13 ايلول 2026/
    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الثلاثاء 08 ايلول 2026/
    حسن الخلق في ميزان القيامة

    حسن الخلق في ميزان القيامة

    الخميس 03 ايلول 2026/

    آخر الاضافات

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟

    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا

    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟

    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال

    ثمانية تجعلك تسعى للتقرب من أصدقاء أبنائك ومصادقتهم

    خيوط جديدة لفهم التصلب المتعدد.. فيروس كامن والتهاب مزمن في دائرة الاشتباه

    ما الذي تمنحه الألعاب للكبار؟

    التخطيط الناجح.. أربعة أعمدة تصنع الفرق

    آخر القراءات

    دراسة جديدة: مكملات أوميغا 3 لا تُظهر فاعلية في تحسين الذاكرة أو الوقاية من الخرف

    النشر : الثلاثاء 30 حزيران 2026
    اخر قراءة : منذ 51 دقيقة

    في نهاية 2023ما هي العقبات التي تواجه المرأة؟

    النشر : السبت 25 تشرين الثاني 2023
    اخر قراءة : منذ 51 دقيقة

    العدس بأنواعه المختلفة.. لحم الفقراء

    النشر : الأثنين 06 نيسان 2020
    اخر قراءة : منذ 51 دقيقة

    نبي الكوفة

    النشر : السبت 15 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 51 دقيقة

    حملة تزوجني بدون مهر.. تتصدر مواقع التواصل والصحف

    النشر : السبت 04 ايلول 2021
    اخر قراءة : منذ 51 دقيقة

    الشباب بين الآلام والآمال...!

    النشر : الأثنين 01 آيار 2017
    اخر قراءة : منذ 51 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الأجهزة المحمولة تهدد بشرة الأطفال بـمتلازمة الجلد المحمص

    • 310 مشاهدات

    التربية الإسلامية للطفل.. من الرعاية المبكرة إلى بناء الشخصية

    • 309 مشاهدات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (١)

    • 302 مشاهدات

    فيتامين "F".. التسمية القديمة لأحماض دهنية أساسية تحمي القلب والدماغ والبشرة

    • 298 مشاهدات

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    • 298 مشاهدات

    التمايز الذاتي: كيف نحمي أنفسنا من الاستنزاف العاطفي؟

    • 292 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 762 مشاهدات

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 622 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 525 مشاهدات

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 516 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 489 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري… دروسٌ في صناعة المنتظر

    • 487 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟
    • منذ 13 ساعة
    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا
    • منذ 13 ساعة
    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟
    • منذ 14 ساعة
    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال
    • الأثنين 05 تشرين الاول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة