حين تتكسر أمواج الصراع على صخور الواقع وتختلط الأصوات في جلبة الزمان يهرع الكثيرون إلى استعارة ثوب "الحياد" ذلك الرداء الرمادي الذي يظنونه درعاً يقي حامله لظى الملامة، يسكنون في تلك المسافة الفاصلة تلك "المنطقةِ العمياء" التي تقع تماماً في منتصف المسافة بين حد السيف وعنق الضحية، وبين صرخة المظلوم وقهقهة الطاغية زاعمين أن الوقوف في المنتصف هو قمة الحكمة وسنام العقل، لكن هل كان الحياد يوماً مجرد هندسةِ مسافات وهل الاستواء بين نقيضين هو فضيلة تليق بقلب ينبض؟
إن الحقيقة ليست خيطاً أفقياً يمده المترددون ليمشوا عليه بهلوانياً خوفاً من السقوط، بل هي عمود نور قائم بذاته، إنها ليست نقطة تتوسط المسافة بين الجلاد ومن يرزح تحت سوطه، بل هي الانحياز الكامل لجوهر الوجود الأصيل ففي كنف الحقيقة يصبح الوقوف في المنتصف ليس إلا نوعاً من "الخيانة الأنيقة"، صمتاً يرتدي قناع الوقار بينما يئن الصدقُ تحت وطأة التساوي مع الزيف، ولنُبحر أكثر في تفاصيل هذا المفهوم لنكتشف كيف يمكن للحياد الموهوم أن يكون خنجراً في خاصرة العدل، إن بين يدي هذا التساؤل الفلسفي العميق يظن الكثيرون أن الحياد هو مجرد وقوف في النقطة "صفر" بين كفتي الميزان أو أنه تلك المسافة الآمنة التي تفصلنا عن ضجيج المعارك لكن الحقيقة والواقع يخبراننا أن الحياد ليس دائماً فضيلة، بل قد يكون في بعض الأحيان ستاراً يختبئ خلفه العجز أو التخاذل.
فليس الحياد صمتاً أخرساً ولا هو منطقةٌ رمادية تسكنها الأرواح الهاربة من صقيع المواجهة إن المفهوم الشائع للحياد بوصفه "وقوفاً في المنتصف" هو في الحقيقة فخ للمنطق فالعالم ليس دائماً خصومة بين حقين، بل هو في الغالب صراع بين شمس ساطعة وعتمة حالكة وفي هذا الصراع لا يوجد "منتصف".
المساواة بين المتناقضات
أن تقف في المنتصف بين الضحية وجلادها أو بين الحقيقة والزيف ليس حياداً بل هو انحياز ضمني للباطل فالمساواة في المسافة بين الحق والباطل تمنح الباطل شرعية لا يستحقها، وتجعل من الحقيقة مجرد "وجهة نظر" قابلة للنقاش فالحياد الحقيقي ليس أن تمسك العصا من المنتصف، بل أن تمسك بالحق أينما مال وهذا ما يشير إليه الامام الصادق (عليه السلام) في قوله :"إن من حقيقة الإيمان أن تؤثر الحقّ وإن ضرّك على الباطل وإن نفعك، وأن لا يجوز منطقك علمك".
فالحياد النبيل هو الموضوعية أي أن تجرد نفسك من الأهواء والمصالح الشخصية لترى الأشياء على حقيقتها، لا أن تلغي عقلك لتتخذ وضعية المتفرج، هو أن تكون مرآة تعكس الواقع بصدق حتى لو كان ذلك الصدق سيجبرك على مغادرة مربع الصمت والجهر بكلمة تقلب موازين "المنتصف"، ولعل أبلغ ما قيل في نقد الحياد السلبي الذي يضيع فيه الحق، هو قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في وصف من اعتزلوا القتال معه ولم ينضموا للطرف الآخر: "خَذَلُوا الْحَقَّ، وَلَمْ يَنصُرُوا الْبَاطِلَ".
بهذه الكلمات القليلة شخص الإمام (عليه السلام) علة أولئك الذين يظنون أن كف اليد عن الفعل هو "سلامة" ولقد اعتبرهم "خاذلين للحق" لأن الحق في لحظات الصراع الكبرى يحتاج إلى قوة تظهره، والسكوت عنه في تلك اللحظة ليس حياداً، بل هو إضعاف لجبهة الصدق، ومساهمة غير مباشرة في تمكين الزيف.
فالحقيقة ليست نقطة في منتصف الطريق بل هي غاية شامخة، والوقوف على الحقيقة هو الحياد الأسمى لأنه حياد عن الهوى لا حياد عن العدل، وإن هذا الحياد المشوه ليس مجرد نظرية في بطون الكتب بل هو مرض يتسلل إلى تفاصيل واقعنا المعاصر ليشل قدرتنا على التغيير فنحن نراه اليوم في المناهج التعليمية التي تقدم القضايا المصيرية كوجهات نظر متساوية، فتخرج جيلاً يبرع في الوصف ويفشل في اتخاذ الموقف.
ونلمسه في عالم الصحافة والإعلام، حين يُمنح القاتل والمقتول وقتاً متساوياً على الشاشة تحت شعار الرأي والرأي الآخر، وكأن الحقيقة مجرد وسيط حسابي بين الجريمة والعدالة، بل إننا نمارسه في حياتنا اليومية، حين نرى التنمر أو الاستبداد في بيئات عملنا أو مجتمعاتنا، فنلوذ بصمت الحياد خوفاً على مصالحنا، متناسين أن هذا الصمت هو الوقود الذي يحترق به المظلوم.
وإن هذا التواري خلف ستار الوقوف على مسافة واحدة في مواقف تتطلب انحيازاً أخلاقياً، ليس إلا محاولة بائسة لغسل اليد من دماء الحقيقة، بينما الواجب هو إذا رأيت الظلم فلا تبحث عن منتصف المسافة بل ابحث عن موضع الحق وقف فيه، فثمة مواقف يكون فيها الصمت ضجيجاً يخدم الظالم، والوقوف في المنتصف خيانة لضمير الإنسانية، وتذكر أن التاريخ لا يكتبه المحايدون، بل يكتبه من امتلكوا شجاعة الانحياز للقيم.








اضافةتعليق
التعليقات