في زحام هذه الدنيا، حيث يعلو صراخ الساعات وتتصادم أيام الناس كالأمواج المتلاطمة، يجيء صوتك الهادئ ليوسوس في روحك برسالة النجاة: "أنت لست في سباق مع أحد".
بينما العالم من حولنا يحترق بلهيب المقارنات ويريدك أن تلهث خلف سراب التأخير، يهمس في أذنك منذ الصباح أنك فشلت لأنك لم تصل بعد، وأن غيرك قد قطع أيامه أشواطاً وأنت لا تزال تلملم حطام البداية، لكن الحقيقة المطمئنة يا صديقي، هي أن لكل روح نبضها، ولكل قصة فصولها، ولكل إنسان منطقته الزمنية التي رسمها له من بيده الأمر كله، تأمل قليلاً في خلق الله، أليست الأرض تخرج ثمارها في مواسم مختلفة؟
فالزيتون لا ينضج حين ينضج العنب، والتين لا يقطف في ربيع الورد، فلماذا نريد كل القلوب أن تخفق على إيقاع واحد؟
في الحقيقة إنه قانون الاختلاف، قانون السعي الذي لا يعرف العجلة وهذه الحقيقة الكونية، يضيئها القرآن بنور اليقين حين يقول الله تعالى في محكم كتابه: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}، تأمل الكلمة الإلهية: "لكلٍ وجهة"، ليست وجهة واحدة يسبق فيها الأقوياء الضعفاء، بل لكل طريقه وقبلته التي يتجه إليها، الاستباق إذن هو في الخيرات في صلاح القلب في نقاء السريرة، وليس في من وصل إلى المنصب أو الثروة أو الزواج قبل الآخر، إنها منافسة مع النفس لا مع الناس.
وهذا المعنى يتجلى في دعاء من لا ينطق عن الهوى، أهل البيت (عليهم السلام)، إنهم يربوننا على الاتكال على الله والثقة بأن تدبيره لنا ألطف من تدبيرنا لأنفسنا حيث يقول الإمام زين العابدين (عليه السلام): "وجعل لكل روح منهم قوتاً معلوماً مقسوماً من رزقه، لا ينقص من زاده ناقص ولا يزيد من نقص منهم زائد"، إنها دعوة صريحة لأن ننظر إلى حياتنا ككل متكامل، فالسعي الحقيقي هو ذاك الذي يقترن برضا الله، وليس السعي وراء أوهام التقدم التي وضعها الناس لأنفسهم، فإذا ما ضاق صدرك برؤية من تخرج قبلك أو تزوج قبلك أو نجح قبلك، او حصل على وظيفة أحلامه قبلك، فتذكر أن الرزق ليس مالاً فقط بل هو الأنس والطمأنينة والتوفيق في الوقت المناسب.
إنه ذاك الشعور الذي تحدث عنه الإمام علي (عليه السلام) في قوله: "انظروا إلى النملة في صغر جثتها، ولطافة هيئتها، لا تكاد تنال بلحظ البصر، مكفول برزقها، مرزوقة بوفقها، لا يغفلها المنان، ولا يحرمها الديان، ولو في الصفا اليابس والحجر الجامس"، فالأرزاق والمواهب والحظوظ كلها موزعة بقدر لذلك لا تقارن فصلك الأول بفرص الآخرين في فصولهم الأخيرة فربما الذي أزهق روحه في جمع المال في الثلاثين، سيخسر صحته وعائلته في الأربعين وربما الذي تأخر زواجه إلى الأربعين كان الله يدخر له زوجة تقر بها عينه في الخمسين، لا زوجة تشقيه في شبابه فكل شيء بمقدار.
لذلك اطمئن ليس المطلوب منك أن تجري حتى تنقطع، بل أن تمشي في طريقك بثقة، رزقك الذي ينتظرك في محطتك القادمة يسعى إليك كما تسعى إليه هو ليس هدفاً بعيداً تركض وراءه فتلهث، بل هو ضيف كريم قادم في موعده المحدد، يحمل لك الخير كله، فيكفيك أن تكون في المكان الذي يريده الله لك، تؤدي ما عليك، وقلبك ساكن بذكره فأنت لست متأخراً، أنت في وقتك تماماً، فسلامٌ على نفس عرفت قدرتها واطمأنت بوعد ربها.








اضافةتعليق
التعليقات