في لحظة حرجة بين غياب للنجم وبزوغٍ للفجر، والكون يلملم أستار ليلٍ طويل، كانت المدينة المنورة تتنفس عطرا غريبا لم يعهده التراب من قبل، لم يكن ذلك الفجر مجرد انشقاق للضوء من عتمة المادة بل كان انشقاقا للحق من حجب الغيب في تلك الدار التي تحرسها الملائكة بقلوب وجلة، كانت السيدة الطاهرة "نجمة" الملقبة ب"تُكتم" تترقب الموعد الذي ضجت به نبوءات الأنبياء وهي ترى جدران غرفتها تتحول إلى مرايا تعكس أنوارا سماوية لا ظل لها.
ترانيم الغيب في بطن الطهر
تقول السيدة "تُكتم" في وصف تلك الساعات التي سبقت الميلاد: "لما حملت بابني علي لم أشعر بثقل الحمل وكنت أسمع في منامي تسبيحاً وتهليلاً وتمجيداً من بطني فيفزعني ذلك ويهولني، فإذا انتبهت لم أسمع شيئاً" وظل الأثر في روحها كنهرٍ من السكينة لا ينقطع، كان الجنين في أحشائها يرتل دستور السماء قبل أن يطأ الأرض، وكأنه يطمئن قلب أمه بأن من سيخرج منها هو "كلمة الله" التي ستملأ الآفاق، وحين دنت ساعة الوعد، هبط صمت مهيب على المدينة حتى كأن النخيل انحنى إجلالا، وكأن الريح توقفت عن الهبوب لتسمع وقع الخطى الإلهية في زاوية تملؤها القداسة، وُلد الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام).
لم يكن خروجه إلى الدنيا بكاء كبقية البشر، بل كان إشراقا نزل من بطن أمه طاهرا مطهرا، فوضع يديه على الأرض، ورفع رأسه نحو السماء، وحرك شفتيه بتوحيد الله في مشهدٍ يأسر اللب ويخلب الوجدان في تلك اللحظة فاحت في أرجاء الدار رائحة أطيب من المسك وعلا نور ساطع كاد يخطف الأبصار "شمس الشموس" قد أشرقت من أفقها الحجازي.
دخل الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) الحجرة، وكان وجهه يتهلل كالقمر ليلة البدر، وبمجرد أن وقعت عيناه على وليده، استبشرت أساريره ونطق: «هنيئاً لك يا نجمة كرامة ربّك»، ثم تناوله بيده الكريمة وضمه إلى صدره وهو يعلم أن هذا المولود هو الذي سيكمل مسيرة الكدح المحمدي، أذّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ودعا بماء الفرات فحنكه، ليكون أول ما يصافح سمع الرضا هو نداء "الله أكبر" و"لا إله إلا الله"، والتفت إلى السيدة "تُكتم" قائلًا بلهجة تملؤها الطمأنينة:"خُذيه فإنه بقية الله في أرضه، وحجته من بعدي، وهو الرضا من آل محمد".
لم تكن تلك الليلة احتفالا أرضيا فحسب، بل كانت عيدا في الملكوت الأعلى، لقد وُلد من سُمي بـ "أنيس النفوس"، ذاك الذي ستشد إليه الرحال من أقاصي الأرض، ليصبح قبره في "طوس" كعبةً للقلوب المنكسرة، وملاذا للأرواح التائهة، لقد وُلد اليوم من سيقف ليقول للعالم إن كلمة "لا إله إلا الله" هي الحصن الحصين، ولكن بشرطها وشروطها، وهو وأبناؤه شروط ذلك الحصن.
فيا شمس طوس التي لا تغيب، سلامٌ عليك يا سيدي يوم وُلدت بطلعةٍ بهية، ويوم صرت للعلم منارةً وللحق قضية، سلامٌ على ذاك النور الذي انبثق من رحم الطهر ليبقى سراجا وهاجا يضيء لنا عتمة الدروب حتى نلقاك على الحوض ريانين من يديك الطاهرتين.








اضافةتعليق
التعليقات