في أزقة الكوفة القديمة، حيث تلتقي لافحات الهجير بنسائم الفرات، لم يكن ميثم مجرد بائع تمر يقلب بضاعته في سوق المدينة، كان رجلاً يبيع التمر ويشتري الأبد، كان يحمل في صدره سرًا لو باح به لضاق به المدى، سرا عُجن بطينة الولاء المحض لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، لم يكن عشق ميثم لعلي عشقا عابرا، بل كان ذوبانا وجوديا، كان ينظر إلى وجه علي فيرى وجه الحق، ويستمع إلى كلماته فيسمع تراتيل السماء.
ومن هذا القرب الداني وُلدت نبوءة الدم، النبوءة التي همس بها علي عليه السلام الى ميثم : "إنك تؤخذ بعدي فتصلب وتطعن بحربة، فإذا جاء اليوم الثالث ابتدر منخراك وفوك دما فتخضب لحيتك، وتصلب على باب عمرو بن حريث عاشر عشرة، وأنت أقصرهم خشبة، وأقربهم من المطهرة، وامض حتى أريك النخلة التي تصلب على جذعها، فأراه إياها"، وكان ميثم يأتيها فيصلي عندها ولم تكن علاقة ميثم بنخلة الكوفة علاقة زارع بجذع، بل كانت علاقة عاشق بموعد لقاء، كان يروحُ ويغدو إليها، يسقيها بدمع شوقه ويناجيها: "بوركتِ من نخلة، لكِ خُلقتُ ولي غُذيتِ".
كان يعلم يقيناً أنها الصليب الذي سيرفع عليه، وأن ساحة "عمرو بن حريث" ستكون مسرحاً لملحمته الكبرى، لقد كان يسير نحو موته بقلب مطمئن، يرى في الخشبة عرشاً، وفي القيد وساماً، لأن بوصلة يقينه كانت تشير دوماً نحو "أبا الحسن"، فمنذ تلك اللحظة، لم يعد ميثم يرى في النخلة مجرد شجرة من شجر الكوفة، تحولت تلك النخلة المعينة في سبخة المدينة إلى محراب سري وموعد غرامي مؤجل، كان يمر بها يربت على جذعها الخشن، يسقيها بالماء وكأنه يربي حتفه الجميل، فأي وعيٍ هذا الذي يجعل الإنسان يستأنس بخشبة مصلبة، أي يقين هذا الذي يحول أداة الموت إلى معشوقة يُنتظر وصالها؟
ببساطة إنه اليقين الذي يرى في الموت من أجل المبدأ ولادة ثانية، ويرى في البقاء مع الباطل موتا سرمديا، وفي تلك اللحظة الرهيبة حيث الخطيب فوق خشبته، حينما دار الفلك دورته الكؤود، وجاء عبيد الله بن زياد يحمل غيظ بني أمية وحقدهم الأسود، سِيق ميثم الشيخ الطاعن في العشق، العتيق في الولاء إلى حيث الموعد، لم تكن بينه وبين لقاء النخلة إلا بضع خطوات من الحقد الأموي، عُلق ميثم على الجذع قطعت يداه ورجلاه، فنزف جسده لكن روحه بقيت تتدفق شموخاً، أراد الجلادون إخراسه بالدم، فإذا بالدم يمنحه صوتا أعلى من صرير سيوفهم من فوق خشبة الصلب.
ومن موقع الضعف المادي المطلق، تحول ميثم إلى خطيب هادر، لم يئن، ولم يشتكِ، ولم يطلب رحمة من بشر بل راح يحدث الناس المحتشدين بفضائل علي، يبصرهم بالحق، ويفضح زيف الطغاة، كانت الكلمات تخرج من فمه مغسولة بطهر النبوة والولاء، تهز عرش ابن زياد وهو في قصره الحصين:
"أيها الناس! من أراد أن يسمع الحديث المكنون عن علي بن أبي طالب فليقبل.."
ارتعدت فرائص السلطة كيف لجسد ممزق معلق على خشب أن يرعب دولة بجيوشها؟، إنه سحر الحق عندما يتجسد في إنسان، فحين سأله الطاغيةُ مستهزءاً: "أين ربك؟".
أجابه ميثم بصوت زلزل أركان القصر: "بالمرصادِ للظلمة، وأنتَ منهم"، وابتسامة المنتصر ترتسم على ثغره وفيض الدم الذي انبعث منه ومقذوف ثغره كان بيانا أبلغ من كل اللغات، طُعن في خاصرته، وفاضت الروح الراضية المرضية إلى بارئها، مات ميثم التمار لكنه ترك للنخل في كل أرض ميزة، وللأحرار في كل جيل منارة، علمنا ميثم أن الإنسان قد يكون بائعا بسيطا في السوق، لكنه يحمل في داخله قيما تجعله أثمن من الذهب، وعلمنا أن المصلب ليس نهاية الحكاية بل هو المنصة العليا التي يرى منها التاريخ وجوه الصادقين.
فسلام على ميثم يوم ولد، ويوم أحب عليًا، ويوم سقى النخلة بدمعه، ويوم أورق دمه على خشبها فصار في تاريخ العشق علامة لا تمحى.








اضافةتعليق
التعليقات