• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

الذات العلوية في غدير خم

هدى المفرجي / الأثنين 01 حزيران 2026 / ثقافة / 579
شارك الموضوع :

إذا أردنا صياغة الغدير بلغة العصر، فهو تجسيد لـ "ميثاق الإنسانية الأسمى"، حيث تلتقي القيادة بالزهد، وتجتمع القوة بالرحمة

تخيل معي وادياً مقفراً، تتناوح فيه الرياح بين شجيرات "الخُم" العجوزة، الآلاف من الأقدام المتعبة تسير في إيقاع رتيب، غبار الرحل يلون الثياب بالبياض الشاحب، والقلوب معلقة بآخر كلمات النبي الذي أوشك أن يودع الأرض، فجأة يرتد الصدى في المدى: "ارتدوا.. ليلحق مَن أدبر، وينتظر مَن تأخّر".

​في تلك اللحظة يتجمد الوقت، حُطت الرحال فوق الرمضاء، ونُسجت من أقتاب الإبل منصة لم تكن لخطيب عادي، بل كانت معراجاً لإعلان يربط السماء بالأرض إلى أبد الآبدين، ذاك الذي ربط قلوبنا بالذات العلوية فورثناها فخرا لانخشى أن نُقتل لأجله، فهناك وسط هجير الصحراء، صعد النبي وبصحبته رجلٌ كان يختزل في عينيه طمأنينة اليقين، رفع كفه فترقرت الشمس على الساعدين، وانطلقت الكلمة اللغز، الكلمة الفصل: "مَن كنتُ مولاه، فهذا عليٌّ مولاه"، ليصبح ​الغدير أكثر من مجرد ماء، أكثر من مجرد بيعة، هو ذلك الحدث الذي ​غالباً ما يُقرأ كحدث سياسي أو نقطة تحول فقهية في كُتب التاريخ ، لكن القراءة الأعمق تراه ثورة جمالية في مفهوم الولاء ​الجميل في الغدير فأنه لم يكن مجرد تعيينٍ لخليفة، بل كان عملية "حقنٍ للروح" في جسد الأمة الذي أوشك أن ييتم غياباً لرسولها، لم يكن الأمر مجرد نقلٍ للسلطة، بل كان تسليماً لراية "المعنى" في ذلك اليوم، ليتحول الغدير من واحة ماءٍ عابرة في جغرافيا الصحراء، إلى "نهر ممتد" في جغرافيا الروح الإنسانية.

​فلسفة الاختيار: لماذا علي؟

إن اختيار عليٍ (عليه السلام) في ذلك المحفل التاريخي المشهود لم يكن مجرد عبورٍ عابر في سجلات الخلافة، بل كان تجلياً لناموس كوني انحازت فيه السماء والأرض لقيم تجسدت رجلاً، فعلي لم يكن وريثاً لنسب وحسب، بل كان وارثاً للمجد الإنساني في أبهى صور كماله:

1- ​عدالةٌ صارمة: ميزانٌ لا يميل ولو كلف الروح، فلم تكن العدالة عند علي مجرد شعار سياسي أو حكم قضائي، بل كانت عقيدةً يتنفسها، ونبضاً يتحرك به، ففي قاموسه يسقط الحسب والنسب، وتتلاشى فوارق الطبقات أمام جلال الحق، كانت عدالته شفرة حادة تقطع حبال المحسوبية وتجتث عروق المحاباة، لم يكن يرى في السلطة مغنماً، بل عبئاً وأمانة تزلزل الرواسي، وفي حضرة عدله، يقف الأخ كالغريب إن طلب وِتراً ليس له، ولعل جمرة "عقيل" شاهدةٌ عبر العصور حين طلب أخوه يسيراً من بيت المال يفوق حقه، فأدنى منه علياً جمرةً ملتهبة ليعلمه أن نار الآخرة أشد وأبقى، ​إنها العدالة التي لا تساوم، ولا تبيع المبادئ بذهب الأرض، عدالةٌ تجعل من الفقير المُهمش قسيماً للملك في الحقوق، ومن الخليفة خصماً شريفاً أمام القضاء دون أدنى تمييز.

​2. فكرٌ سيال: عبقريةٌ تمخر عباب الزمن فعلي لم يعش في جلباب عصره فحسب، بل كان مستقبلاً يمشي على قدمين، عقله نهراً دافقاً من الحكمة، يغرف من نبع النبوة الصافي ويسكبه وعياً يسبق القرون، حتى أصبح ​ترجمان القرآن فلم يكن يرتل الآيات تلاوة ساكنة، بل كان يحول عمق النص القرآني إلى منهج حياة، ونبض يتحرك في الأسواق، ومواساة تمسح جراح المحتاجين، وإذا تكلم في التوحيد، تهاوت الفلسفات الباردة أمام فيض بيانه، وإذا خطب في السياسة والاجتماع، وضع دستوراً إنسانياً تنهل منه الأمم، كلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق، يأخذ بمجامع القلوب ويهز العقول بنظرات استشرافية جعلت من كلماته منارات تضيء دروب الفكر الإنساني حتى يومنا هذا.

​3. شجاعةٌ مستكينة: بركان في الميدان، وبلسم في الأزقة ​هنا يكمن السر الأعظم لعلي في ذلك التناقض الإعجازي الذي لا يجتمع إلا في الأنبياء والأوصياء إنه الجمع بين منتهى القوة والمنعة، ومنتهى الرقة والعطف، في الميدان كان علي الموت الزؤام لأعداء الحق، شجاعته لم تكن تهوراً، بل ثباتاً راسخاً تنكسر أمامه جحافل الأبطال، فكان قلعة حصينة يلوذ بها الخائفون، وهذا البطل الذي تفر فرسان العرب من هيبته، هو نفسه الذي تجده ليلًا يتسلل في عتمة أزقة الكوفة، ينحني ليركع أمام طفل يتيم، يمسح دموعه بكمه، ​تراه في الحرب كالجبل الأشم لا تحركه العواصف، وتراه في محراب العبادة كالغصن الرطيب يبكي خوفاً شوقاً لله، وتراه مع الضعفاء أباً رحيماً يذوب حناناً، إنها "الشجاعة المستكينة" التي لا تبغي علواً في الأرض، بل تضع قوتها في خدمة الضعيف حتى يسترد حقه .

​لقد كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) نسيجاً وحده، صاغته العناية الإلهية ليكون معياراً للإنسانية الحقة لذلك حين انحازت له القلوب فإنها لم تنحز لشخصه فقط، بل انحازت للحق الذي دار معه حيثما دار، هو ذلك علي الذي اختاره الباري قبل أن يقدمه النبي هو الحب متجسدا بانسان ولو تسائلنا اليوم كيف نحيي ذلك الفخر ونعيش الغدير خارج القوالب الجاهزة، سيكون الجواب موضحا أن الاحتفال بالغدير ليس مجرد استعادة لحدث وقع قبل قرون، أو تعليق للزينة والأنوار بل هو سؤال يومي يُطرح على الضمير ويجيبه الوجدان: ​"أن تلوذ بالعدالة في زمن الظلم، أن تختار الحق وإن كنتَ وحدك في الطريق، وأن تكون 'موالياً' يعني أن تمثل سلوك الغدير في صدقك، وفي نصرتك للمظلوم، وفي عفتك وترفعك عن الدنايا".

​إذا أردنا صياغة الغدير بلغة العصر، فهو تجسيد لـ "ميثاق الإنسانية الأسمى"، حيث تلتقي القيادة بالزهد، وتجتمع القوة بالرحمة، فحين انفضت الجموع في ذلك اليوم البعيد، غادرت القوافل وبقيت الصحراء وحيدة لكن "خم" لم تعد قاحلة لقد غُرست فيها شجرةُ ولاية لا تزال تورق في قلب كل من يرفض الظلم ويسعى خلف النور، فعيد الغدير ليس تاريخاً يُقرأ، بل هو بوصلةٌ تُضبط عليها القلوب كلما تاهت في دروب الحياة العاصفة، إنه النداء المستمر بأن الحق وإن بدا وحيداً وسط الرمال، سينتصر في النهاية ويعلو كما علت كف علي في جوف الصحراء.

الشيعة
الامام علي
الوعي
عيد الغدير
التاريخ
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الأحد 13 ايلول 2026/
    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الثلاثاء 08 ايلول 2026/
    حسن الخلق في ميزان القيامة

    حسن الخلق في ميزان القيامة

    الخميس 03 ايلول 2026/
    الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض

    الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض

    الأحد 30 آب 2026/
    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    الثلاثاء 25 آب 2026/
    على عهد الثقلين: أنين الروح في غيبة النور

    على عهد الثقلين: أنين الروح في غيبة النور

    الثلاثاء 11 آب 2026/

    آخر الاضافات

    دمى تشبه أصحابها... حين تبقى الطفولة بين يديك

    الإدارة والقيادة الذاتية وأثرهما في حياة الفرد

    بين الأمومة والطموح.. نساء غيّرن مساراتهن المهنية من أجل أطفالهن

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الجانب المظلم للذكاء: لماذا يشعر الناجحون أنهم نصابون؟

    حين تتحول رياضة الأطفال من وسيلة للمتعة إلى مصدر للضغط والقلق

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    مفهوم القَيُّومة بين الرجل والمرأة في القرآن

    آخر القراءات

    في اليوم العالمي للإبداع والإبتكار: كيف يتكامل العلم مع الفن؟

    النشر : الأحد 21 نيسان 2019
    اخر قراءة : منذ 28 دقيقة

    اوقد بكلماتك مصابيح التحفيز

    النشر : الأحد 10 كانون الأول 2017
    اخر قراءة : منذ 28 دقيقة

    ربيبة النبوة.. خُمرًا من الفواطم

    النشر : الثلاثاء 01 آب 2023
    اخر قراءة : منذ 28 دقيقة

    ليلة القدر

    النشر : السبت 25 تموز 2020
    اخر قراءة : منذ 28 دقيقة

    بشّروا ولا تنفّروا

    النشر : الأثنين 30 آذار 2020
    اخر قراءة : منذ 28 دقيقة

    نستله تبتكر تكنولوجيا جديدة لتقليل السكر في الشوكولاتة

    النشر : الأحد 11 كانون الأول 2016
    اخر قراءة : منذ 28 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 530 مشاهدات

    رائحة العرق المزعجة.. أسبابها وطرق الحد منها بفاعلية

    • 331 مشاهدات

    بوحٌ بلا وجوه… حينما تصبح المنصات الملاذ الأخير

    • 324 مشاهدات

    في رحاب اسم الله الهادي

    • 306 مشاهدات

    حِراسَةُ الحَواسّ وصَوْنُ الهَويَّة: قِراءَةٌ في وعيِ الانْفِتاح

    • 292 مشاهدات

    حين تتحول رياضة الأطفال من وسيلة للمتعة إلى مصدر للضغط والقلق

    • 289 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1096 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1083 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1036 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 979 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 732 مشاهدات

    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    • 647 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    دمى تشبه أصحابها... حين تبقى الطفولة بين يديك
    • منذ 19 ساعة
    الإدارة والقيادة الذاتية وأثرهما في حياة الفرد
    • منذ 20 ساعة
    بين الأمومة والطموح.. نساء غيّرن مساراتهن المهنية من أجل أطفالهن
    • منذ 20 ساعة
    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس
    • الأحد 13 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة