أثرت التطورات الفكرية والثقافية والمفاهيم الجديدة والمستحدثة في طريقة فهم الإنسان لنفسه، وسط تشتته وركوبه موجة التطور السريع دون التركيز على المفاهيم الأساسية للمعتقدات المطروحة ومن أبرز هذه المفاهيم مصطلح "الكارما"، الذي أخذ انتشاراً واسعاً في الأحاديث اليومية بين الأصدقاء، وفي فضاءات مواقع التواصل الاجتماعي، حتى أصبح "ترند" فلسفي يُستدعى في كل موقف.
أصل الكلمة في موروثنا الشعبي يعني "الحوبة" أي أن ما تفعله من سوء سيعود عليك بذات السوء، لكن المفهوم اليوم تمدد ليصبح نمط حياة، وهوساً يطارد التفاصيل الصغيرة، خاصة في الأوساط النسائية.
لماذا تجد "الكارما" صدىً واسعاً لدى النساء تحديداً؟
يرى علماء الاجتماع أن الكارما تمنح نوعاً من التوازن النفسي في عالم مليء بالخيبات العاطفية أو الصراعات الاجتماعية، تعمل الكارما كـ "قاضٍ غير مرئي"هي الطريقة التي تطمئن بها المرأة قلبها بأن الحقوق لا تضيع، وأن "دوران العجلة" كفيل برد الاعتبار دون الحاجة للدخول في صراعات مباشرة سواء مع العائلة أو الأقارب أو دائرة العلاقات الخارجية وأحياناً تنصدم من سماع هذه المصطلحات من ام على أولادها أو بناتها دون رفة جفن لدرجة مخيفة بدلاً من إظهار روح الأمومة وتقديس الروابط التي تجمعهم بالدم والروح والعاطفة.
لكن سرعان ما تحول هذا الشغف لدى البعض إلى هوس المراقبة فبدلاً من التركيز على التشافي الذاتي، يصبح التركيز منصباً على متى ستضرب الكارما الطرف الآخر؟
وهنا يتحول المفهوم من وسيلة للارتقاء الروحي إلى سجن من الانتظار والترقب في الوقت ذاته.
في عصر ال تيك توك وال "إنستغرام " تم تسليع الكارما لم تعد ذلك المفهوم الفلسفي العميق الذي يحث على تنقية النوايا، بل أصبحت قوالب جاهزة مثلاً افعلي كذا لتجذبي الكارما الجيدة أو "احذري كارما العلاقات" هذا التسطيح جعل البعض يربط كل عثرة حظ بـ "كارما" قديمة، مما يولد شعوراً مفرطاً بالذنب أو رغبة مستمرة في الانتقام الكوني.
إن الكارما في جوهرها ليست "انتقاماً" بل هي قانون السبب والنتيجة ودعوة لمراقبة ما نبذره في أرضنا، لأننا وبكل بساطة، سنأكل من ذات الثمار يوماً ما.
وإن الانبهار بمصطلح "الكارما" ليس سوى بحث بشري أزلي عن العدالة وبغض النظر عن المسميات، سواء كانت "كارما" بمعناها الشرقي، أو "حوبة" بمعناها الشعبي، أو "جزاءً من جنس العمل" بمعناها الديني، يبقى الجوهر واحداً (نقاء النية هو المنجاة الوحيدة).
بدلاً من الانشغال بمراقبة الكارما وهي تضرب الآخرين، لعلّ الأجمل أن ننشغل بصناعة "كارما" خاصة بنا، مغلفة بالحب والتسامح والارتقاء، فالحياة أقصر من أن نقضيها في انتظار سقوط الآخرين في فخاخ أعمالهم، اصنع لنفسك أثراً طيباً واترك القوانين الكونية تعمل بصمت..
فالحق لا يحتاج إلى "هاشتاغ" ليتحقق.








اضافةتعليق
التعليقات