استغفروا الله إنه كان غفّاراً، إن علياً ممسوس في ذات الله.. أيُّ دمعةٍ جمعت شتاتها عند انفلاق قمرك يا علي، لقد انفجر القلب بفقدك، وتصدّع كرسي العرش، واضطربت الحكمة في دارك، وبكت التيجان سومها لأنها فقدت سيدها..
ينعى الحديث غديرك الدامي، لأنك العَلَم الذي ينزف تراثاً يا علي، في فقرات الحياة دائماً اسمك هو الأول، ودمعك المصبوغ بالثورة هو المنتصر.. أنت الأزلي يا علي، وأنت الصراط المستقيم.. وأنت الحق حيثما حملت السيف وتوارثه أهل بيتك.
قال رسول الله صلوات الله عليه وآله:
(لا تسبّوا عليَّ بن أبي طالب، فإنه ممسوس في ذات الله).
دار العبادة تباهي خلّانها بذكرك، فبيت الله ومسجد الله خُلق لأجلك، هبةُ الله لك، فبدا قلبك ملجأً لكل الصالحات والحسنات، ويدك المعمورة بالتسبيح اسمه المختوم بالأعظم.. يكفي أنك القرآن الناطق وأنك كل الآيات وروح التأويل...
يا شيعة علي، اتقوا علياً، إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم فقدك يا علي يذهل التاريخ، وتضع كل ذات فاجعة أشجانها على ناصية الطبرة الدامية.. وترى الناس بواكياً، ومسجد الصلاة ساجداً لله ينزف أسماءه على رفات الصرخة لتحيا من جديد وتبقى عبقاً لا يصيبها الظمأ ولا طامّة الحرف.
اليوم قيامة الأب في حزن شديد.. أنت الوجود حيث يقبع يا علي.. وبقعة الثأر تحملها رياح الانتظار، والقدرة سهماً تعزّي كل محب.. وسر الله علياً ينادي: فزت ورب الكعبة، والدماء على كتف الرسالة تنتفض من أجل الفتح، من أجل خلاص الإنسان، ليخضبه الخير بخضاب الفوز.
وأبونا في حصن العرش تزوره الخلائق والملائكة وكل التليد.. ومنهم من تجرّه أصر الندامة، وآخر يبكي يتيماً، والكتاب بيد العلم يحتمي بعباءة أبيه، لأنك يا علي أبو هذه الأمة، وحاضن دمعتهم، والمواسي لمن ألمّت به العجائب.
الإمارة ربوة يسكنها المعين وهو أنت، والقبة قبلة لمن تاهت بوصلته وأضاعت فارزة التحديد.. لأنك يا علي رايتها الخضراء، وأنت القائد لكل مبدأ وفكر ومنهاج، وأن الأجيال وإن تحصّنت واستقر إدراكها وخلاصها فبنبوءتك ودعائك وبصيرتك، لم يكن البكاء لأجلك إلا عشقاً خالداً في نفوس من طلب رضاك.. إن الدموع ذخيرة الحاضر يجمعها المولى علي باحتضانه لأجل الآخرة، وأن الحسرة عليك يا مولاي تقيّد الغصة وترمّم الفرصة، وتذهب بداء الرذيلة، وتحبس أنفاس الضياع... سبحان الذي بنعمته تتم الصالحات، فأنت النعمة يا علي، وأنت مفتاح الغيب، ولا حبّة في ظلمات الأرض إلا أنت أعلم بها، فلا يحصي مدحتك القائلون.
مسيرك يا علي غفران لنا ولفاجعة الطريق، وانضباطاً لذواتنا، لقد تأخرنا كثيراً في معرفتك وغور أعماقك، وانغمسنا في بعيد الأفكار، وتحجّمت بصيرتنا لأن بكاءنا عليك اختصره زمن الغرائب، وسرق منا بحبوحة جنتك، وقتلتنا المطالب، وتغافلنا مآثرك وقوتك ودماءك.. افترقت خطواتنا وأذهلنا سبيلك، فالآن يا سيدي من عذابك من يستنقذني؟ ومن أيدي الخصماء غداً من يخلصني؟ وبحبل من أعتصم إن أنت قطعت حبلك عني؟... لأن كتاب كرمك معجزة لنفوس أوجعها السيف وسلبها أمنها وأمانها، وأباح الضيم منه مساحات ومسافات، مداه في جيب الزمن قد اختُزن خوفاً.
يسأل أمير المؤمنين "عليه السلام" رسول الله عن أفضل الأعمال في شهر رمضان:
(فقال: يا أبا الحسن، الورع عن محارم الله عز وجل، ثم بكى، فقلت: يا رسول الله ما يبكيك؟
فقال: يا علي أبكي لما يُستحل منك في هذا الشهر، كأني بك وأنت تصلي لربك، وقد انبعث أشقى الأولين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود فضربك ضربة على رأسك فخضّب منها لحيتك.
قال أمير المؤمنين "عليه السلام":
فقلت: يا رسول الله وذلك في سلامة من ديني؟
فقال "صلى الله عليه وآله": في سلامة من دينك.)
أي معجزة انضوت تحت قبتك، وأي قمر خُضّب في سمائك، وأي لعنة حلّت على أعدائك، وأي دمعة امتزجت بندائك، وأصبحت للتاريخ بدل الدموع توحيداً وبدل السيف إيماناً وتصديقاً.. فقتلك عُدَّ ذنباً لا يُغتفر، ومن عاداك في الدرك الأسفل من النار، لأنك الشجرة الطيبة وأنت شعار الله في أرضه، وراية الهدى وثأره...
يالها من طبرة أفزعت الملائكة، وأفجعت اليتامى، وأخرجت النساء من خدورهن نادبات، والمنابر من حجر المصاب والكلمات.. والأكف مغارة تبحث عن كهف النجاة.
يا طبرة هزّت أركان الوجود..
أيُقتل وليّ الله في حال السجود؟
حتى منبرك يا علي جثا وبكى ونادى باسمك، كيف للخطاب ركن وقد خضب الوجود من زكاة طهارتك!.. هل إلى عزمك بديل نتقوّى به لإحياء ذكرك يا علي؟!.. صوائح تتبعها نوائح..
وقد سابق بدنك إلى امتثال الأمر حتى فلق هامتك وبعثر ثوبك.
قال "صلى الله عليه وآله": يا علي، من قتلك فقد قتلني، ومن أبغضك فقد أبغضني، ومن سبّك فقد سبّني، لأنك مني كنفسي، روحك من روحي، وطينتك من طينتي، إن الله تبارك وتعالى خلقني وإياك واصطفاني وإياك، واختارني للنبوة واختارك للإمامة، فمن أنكر إمامتك فقد أنكر نبوتي، يا علي أنت وصيي وأبو ولدي (الحسن والحسين)، وزوج ابنتي (فاطمة)، وخليفتي على أمتي في حياتي وبعد موتي، أمرك أمري، ونهيك نهيي، أقسم بالذي بعثني بالنبوة وجعلني خير البرية إنك لحجة الله على خلقه، وأمينه على سره، وخليفته على عباده.
من مثلك يا علي وأنت سر النبوة والحجة البيضاء، وقد جعلت للعبادة رمزاً ومعنى، واختارك الله لأعظم ليلة في الوجود وأنت سيدها وأميرها، فكانت عذاباتك هي القدر، والحزن عليك شرطاً لقبول العبادات، سجوداً وتبتلاً، وبصيرة وتهليلاً، وأصبح للدين والشريعة هدفاً ومبتغى أن قيمة الوجود في سجدة علي وهمهمته، لأنه الخضوع الصادق في عنق العرش.
يكفي شهادة سيد الأنبياء والرسل بحق سيد الأوصياء علي بن أبي طالب في ليلة القدر..
(يا علي، أتدري ما معنى ليلة القدر؟ فقلت: لا يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله تبارك وتعالى قدّر فيها ما هو كائن إلى يوم القيامة، فكان فيما قدّر عز وجل ولايتك وولاية الأئمة من ولدك إلى يوم القيامة).
تتعلق بك الأفكار لأنك وميضها، وتكتب لك الأقلام لأنك حبرها، وتشخص لك الحاجات لأنك مغيثها، كم من بلاء أحاطته يدك البيضاء، وغم مدقع انتشله شفيف أنفاسك، فهل للدين والمذهب بديل عنك وقد جمع الله صفاته بذاتك، وتعالت الأنوار من صلبك وذريتك..
أنت المعجزة التي خُصّت ببيت الله، وأنت المحراب الذي تمخض بدمائك.. وأنت الهدى وسلامة الدين، ما أحلى هذا المزيج، وما أروع هذا السجود وهو يصرخ بالفوز.. لقد أديت الأمانة يا علي، وأعلى هامتك بصم السيف أنك الحق وأنك كلمة الصدق والنبوءة المباركة.
إنك وجه العدالة، وبيت العبادة يشهد بذلك، وفوزك يا علي هو فوز لشيعتك، فوزاً شمولياً جامعاً، وفي كل المحافل كنت أنت يا علي الفائز دون غيرك، وما قولك فزت ورب الكعبة إنما هي البشارة السماوية لمن سلك طريقك واستقام دربك، لمن وصله صدى ندائك عبر التاريخ.. لقد فاز الفائزون بولايتك، وفازوا بحتمية الفرج للإمام المنتظر أرواحنا فداه..
لأنك مائزة الحق، ومظهر من مظاهر العطاء المتقد، وصحيفة كل مؤمن، وخطاب الغيب المؤتمن.








اضافةتعليق
التعليقات