البقيع الغرقد، دوحة لا تخلو من هموم المعتقد وتساؤلات المبدأ.. إنها أزمة فكر ومنهج بوجه كل طاغية على مدى الزمن.
في يوم الثامن من شوال، ذاكرة الوجع الذي أصاب قلب البقيع، تهدمت قبور الآل، وجرأة اليد الظالمة وحقدها الدامي على بيت النبوة وآله المظلومين، وثارات الجهل التي لم تترك للحق مسافة إلا وطمسوها، وللحدود إلا وتجاوزوها، حتى طرقت الدسائس باب الأطهار وأفرغت حقدها للنيل من ذرية رسول الله صلوات الله عليه وآله، يوماً على آل الرسول عظيم، وحزناً طويلاً..
وقد ندد العلماء والمراجع بهذه الفاجعة، وزحفت أقلامهم للإشادة بهذه الحادثة المؤلمة، وكل سنة تحيا مجالس الحزن، والحسرة على باب الصدر تتنفس ألماً، تطالب بمعاقبة الناصب لهدم أضرحة آل البيت، وسعى في محو آثارها إلى يومنا هذا، ولكن لا حياة لمن تنادي، لأن الناصب لآل البيت لا يفهم لغة النور، ولا يدرك معنى الإيمان، يستخدم طيشه وظلمات عقله ونبرته الحادة للقضاء على معادلة الغيب المتمثلة في أوليائه، متغافلاً أن الصحوة تقتفي أثر كل جيل، والنبوءة تعانق المصداق في كل فعل، وأدوات التراث لم تترك الطريق أبداً دون إدراك منها، بل همتها الساهرة على مدى ساعات الزمن حتى تصل إلى الهدف المطلوب، وهو إعادة الحق إلى أهله، وإعمار البقيع وتكريم أضرحة أهل البيت عليهم السلام.
وقد أشار سماحة المرجع صادق الشيرازي، أطال الله في عمره الشريف، في إحدى مجالسه العامرة بذكر أنوار محمد وآل محمد، وقد تطرق إلى هذه الفاجعة بقوله:
(إن الثامن من شهر شوال المكرّم لعام ألف وأربعمائة وخمس وعشرين هجرية، هو يوم تجديد الذكرى الأليمة لفاجعة هدم قبور أئمة البقيع، وكان دأب العلماء والمراجع في العراق تعتيم الحوزة العلمية وتعطيل الدروس الدينية حداداً على آل الرسول، وما جرى من ظلم في حقهم أقرح قلب جدهم الرسول الكريم وأوجع فؤاده في أهل بيته وذريته، وقد تضافرت جهود الأبالسة وشياطين الإنس والجن على إعفاء آثار الرسول الكريم وإقصاء أهل بيته الطاهرين عن المناصب السماوية التي عيّنها الوحي لهم وعرّفها الرسول الكريم بإصرار وتكرار للناس والتاريخ).
إنها مناصب العرش والولاية ومنار الحق الذي لا بد أن يثبت على وجه المعمورة، ليبقى الركيزة الدائمة ما دامت الحياة قائمة، لأنهم الراية البيضاء التي غطت القلوب من نقائها وقوتها وشعارها.
تلك هي راية محمد وآل محمد، التي تستنكر كل فعل لا يبرر لنفسه دليلاً إلا البغض لآل العترة عليهم السلام.
(لذا يعتبر السيد صادق الحسيني الشيرازي ذكرى هدم قبور البقيع “جريمة نكراء” و”إهانة كبرى” لرسول الله (ص)، مؤكداً أن إعادة إعمارها واجبة على كل فرد مؤمن والأمة الإسلامية جمعاء، وعلى المسلمين جميعاً حفظ الأمانة وهي مودة آل البيت كما ورد في القرآن الكريم، وقد وصفها بالمسؤولية الجماعية، وعلى كل المسلمين المطالبة بتعمير تلك الآثار النبوية وعدم السكوت على تلك الجريمة الكبرى).
إن الاحتجاج أسلوب من أساليب النهضة ضد الباطل، وخطوة من خطوات المطالبة بتغيير نمط التعامل مع أنوار العرش في أرضه، إنه الإصرار المتجدد والفكر المتحدث، والتكبير الذي بنى حضارة إنسانية تخلّقت بالنماء في كل أساليبها على مدى احتجاجها وفي كل عام.
والدهر بأزقته العالقة بخطوات الثائرين يحكي لنا مسيرًا مفخخًا بثوابتهم التي طالما ربّت شخوص المواجهة.. شارع مخصب بالأفكار، وأفواه رسى خلودها بالقوة والكرامة يعززها التأييد العلوي والمنهج المحمدي.
في رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال للحسن (عليه السلام):
(تزورك طائفة من أمتي يريدون به بري وصلتي، فإذا كان يوم القيامة زرتها في الموقف وأخذت بأعضادها فأنجيتها من أهواله وشدائده).
وفي رواية أخرى عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: (من زار واحداً منا كمن زار الحسين (عليه السلام)).
تراب البقيع يشهد قصة حرب دامت سنونًا عجافًا بين الحق والباطل، وأعلام الفرزدق ركزت أهدافها بحذر على إشارة الطريق تحفيزًا للذاكرة الحرة المتباركة بقبور الأئمة الأطهار وبعض النساء الطاهرات، بدليل الحرف القابع فيها لتظل أسطورة مجد تتقلب في أظهر حافظي التراث.
لقد احتضن البقيع الكثير من قبور الصحابة من بدر وغيرها من المؤمنين، والتي نالت اهتمامًا وأنفاسًا نبوية ولامستها البركة منه، وحظيت بخصوصية بالغة من قبل النبي الأعظم صلوات الله عليه وآله عند زيارة البقيع، وقد ذكرت الروايات ذلك وثبتتها النصوص، فلو كانت زيارة القبور وثنًا لكان رسول الله هو الأولى بتركها، بل هي من شعائر الله التي أكد عليها الشرع وفوضها إلى رسوله..








اضافةتعليق
التعليقات