إنَّ حقيقة العطاء شعورٌ جوهري يدفع الإنسان لأن يمدَّ يده للآخرين دون انتظار مقابل، فهو ليس مجرد تقديم مال أو مساعدة، إنما قيمة من القيم الإنسانية السامية التي تعبّر عن الرحمة والمحبة والتكافل بين الناس. بينما يسأل سائل: هل العطاء فضيلة أم مسؤولية؟ وهل يجب أن يكون بلا حدود أم مشروطًا وبضوابط؟
سؤال يجعلنا نفكر مليًّا، حتى نصل إلى أن العطاء الأجمل هو الذي يجمع بين القلب والعقل؛ قلبٌ رحيم يعطي بمحبة، وعقلٌ حكيم يضع حدودًا تحمي صاحبه من الاستغلال.
فليس المطلوب أن نحرم أنفسنا من الخير، ولا أن نُفرغ طاقتنا حتى الإنهاك، بل أن نكون معطاءين بوعي، لأن العطاء المستمر يحتاج إلى نفسٍ متوازنة وقادرة. وخير مثال على ذلك نبينا الأكرم محمد (ص)، حيث كان قدوة في الكرم والسخاء، ومن أبرز فوائد العطاء غير المشروط:
* ينشر المحبة بين الناس.
* يعزز الشعور بالرضا الداخلي.
* يقوّي الروابط الاجتماعية.
* يرسّخ مبدأ الإحسان.
بيد أن العطاء بحدود لا يعني البخل، بل يعني الوعي والتنظيم، فحتى في ديننا الإسلامي جاء التوجيه بعدم الإسراف، كما في قوله تعالى من سورة الإسراء، الآية 29:
{ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملومًا محسورًا}.
فقد يؤدي العطاء بلا حدود أحيانًا إلى استغلال الشخص المعطاء، وإرهاقه نفسيًا أو ماديًا، واعتياد الآخرين على الأخذ دون تحمّل مسؤولية.
ومن جانب آخر، سيرى البعض أنك تعطي بعشوائية، فور اكتفائهم من عطائك، وحينما تشتكي التعب وقلة التقدير يردّون عليك، وبكل بساطة: "لم تكن مجبرًا، كان ذلك بإرادتك!"
غير هذا، قد يُساء الظن بك حينما تشارك تجاربك الناجحة مع الآخرين، فيتهمك من يفشل فيها، وعليه حاول ألّا تعطي أي شيء دون أن يُطلب منك، حتى "النصيحة" احتفظ بها لنفسك، لكي لا يدينك من يرى نفسه في غنى عنها، بالتطفل أو الناصح الذي أكل عليه الدهر وشرب!
ولأجل أن تستمر، لا تقل كل ما لديك دفعة واحدة، فلكل كلمة زمان، ولكل حديث ميعاد. يجب عليك أن تعي حدود العطاء، من أين تبدأ وأين تنتهي، ومن الطبيعي أن يعطي الإنسان بما لا يؤذيه، ويوازن بين حاجته وحاجة الآخرين، ويضع حدودًا تحفظ كرامته وراحته؛ فيبقى العطاء زينة الأخلاق وروح الإنسانية، لكنه يحتاج إلى حكمة حتى يدوم. فالعطاء الذي يُنير حياة الآخرين يجب ألّا يُطفئ نور صاحبه.








اضافةتعليق
التعليقات