أشرق شهرُ البركة بوجوده الروحانيِّ الأزلي، ليغذّي القلوبَ والأبصارَ بكبرى العبقات الرحمانيّة والضمانات الطاقيّة؛ لأنّه محطةُ تأديبٍ وتربيةٍ وجدانيّةٍ نورانيّةٍ لنفوسٍ أتعبتها الابتلاءاتُ والشدائد، وأنهكتها انعكاساتُ المواقف. إنّه التكوين ودائرةُ القدرة، مُنِح لشهر رمضان إشعاعًا وامتيازًا جامعًا لخلاصة التدوين، وجُعل قراره ليلةَ القدر، ودار عليها الفلقُ بما خلق ومن شرّ الوسواس الخنّاس إذا خنس.
شهر الاعتراف والتوبة
يفتتح الشهرُ المبارك بحمدِ الله حتى تستقيم النفسُ وتُسدَّد بالصواب، جلاؤها اليقينُ وصفاؤها الحمدُ بمنِّ الله سبحانه، بعد استعراض منافذ القوّة والكبرياء الربانيّة؛ لتستشعر الذاتُ ضعفَها وتعترفَ بنقصانها، لأنّ الكربات أثقالٌ غير يسيرة، بل أسيرةُ الطلب لحلول الفرج، والهمومُ معقلُ الضعف لنيل الكشوفات الغيبيّة، والعثراتُ دليلُ الوهن النفسيّ ترجُو الإقالة… هي إذن حلقةُ ابتلاءٍ مقفلة، لا يفتح ألغازَها إلا ميزانُ الرحمة في شهر الرحمة.
(اَللّـهُمَّ إِنّي أَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ، وَأَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَنِّكَ، وَأَيْقَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمينَ)
لذا يتميّز الشهرُ المبارك بالبدائل الفكريّة والمعرفيّة، ليشارك اليدَ الإنسانيّة في تحقيق الهدف ولفتح المغلق من الحياة؛ لأنّ الذات البشريّة عاجزةٌ عن كشف المغيّبات، لا تطيق الثقلَ الربانيّ إلا من ألهمته الرواية وسقاه الحديثُ ضماناتٍ روحيّةً يكشف بها دفائنَ الشريعة ودلالتها العميقة.
شهر ضيافة الله
إنّ جملةَ الذائقة في أيّام شهر رمضان لها عمقٌ مباركٌ يضاهي بقيّة الشهور في الضيافة طعمًا وشعورًا، يخصّ جدارةَ المؤمن وتتبعَه لمنهاج التغيير المغلّف بطابع الاستدراج؛ لأنّ أيّام الله سبحانه تختبر قوّة الصفات بالمهامّ التي يمتطيها الفرد المؤمن.
فمن أراد التغيير والتعبير فليلزم الصيامَ والقيام في هذا الشهر الكريم، ويبتعد عن منغّصات الروح حتى ينال الهيبة، ويُسقى من معين سلسبيلها كي يُخصّ بالبراءة من نار الموبقات والأفكار وعذاب الانحرافات بأبعادها المختلفة، يحميه حجاب العصمة وتُلهمه الحكمةُ السكونَ والأنس.
قال النبي (صلى الله عليه وآله):
«هو شهرٌ دُعيتُم فيه إلى ضيافةِ الله، وجُعلتم فيه من أهل كرامةِ الله. أنفاسُكم فيه تسبيح، ونومُكم فيه عبادة…»
يحلّ الشهر المبارك وفي جعبته أرزاقٌ وإغداقٌ على اختلاف تكوينها… نعمةٌ من الله وضيافةٌ مرموقةٌ مُعدّة لأحباب الله وذاكريه، فرصةٌ تستغرق كلَّ المؤمنين العاملين بهذا الشهر المبارك لاستيعاب مواهب تلك السفرة التي لا نهاية لها…
عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا دخل شهر رمضان… فيه تُقسم الأرزاق، وتُثبت الآجال، ويُكتب وفد الله».
لذا وصفه الشرع بأنّه شهر المكارم والبركات، وأنّه سيّد الشهور، شهر دعا الله سبحانه إلى تطبيق الأحكام وتبليغ رسالة الأنبياء، شهر تكامل الروح وفق برنامجٍ تآزريّ يروي الذات بالنور والرحمة وكل مضامين الخير، هو شهر الدعوة إلى سفرة الحق واجتناب الباطل.
شهر النموّ وتألق الروح
إنّه شهر نموّ الذات وتراقيها أعلى مراحل العبادة وذوبانها في حبّ الله وطلب مرضاته… شهر امتزاج الروح مع السجود والذكر وقراءة آياته وتعظيمها والتحليق بالغايات إلى قاب قوسين عند مليك الناس إله الناس… شهر أداء الأمانة واحتضان الآيات وتجنّب السيّئات، ومرونة الأنفس لفهم التجليّات الغيبيّة في كتابٍ لا يمسّه إلا المطهّرون، شهر غُيّبت مقدراته ودلالاته إلا لأهل طاعته وصائميه ومن أحيا لياليه… وعلى قدر إدراك العقول واستيعابها تلتذّ النفسُ جمالَ العبادة والهيامَ بالدعاء… فتدركه الحكمةُ بألطافها، وتغسل الدمعةُ شوائبه، ومعلّقات الذوات تتطهّر من أذنابٍ وانسكابات التصوّرات حتى تصل الروحيّة إلى أعلى مستواها من الإيمان…
(عَنْ نُعْمَانَ الرَّازِيِّ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السَّلام) يَقُولُ: «مَنْ زَنَى خَرَجَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ خَرَجَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَمَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا خَرَجَ مِنَ الْإِيمَانِ»).
شهر التربية والتثقيف
حتى صباحاته لها لونٌ مختلف، أجواءٌ ملؤها الإحساس الدافئ والنشاط المفعم بالصفاء والنوايا الحسنة… فيشعر الصائم وكأنّه في برزخ الاعتقاد، قلبه وروحه وكل أنفاسه حلّقت بعيدًا عن التراب إلى عالمٍ مجرّدٍ من المادّيات.
فكل جارحةٍ صائمةٍ فيه… العين، اللسان، الأنفاس، وكل فاصلةٍ من فواصل البدن، لا يرى ولا يلمس إلا حبَّ الله وآياته، يفكّر بلغة اعتقاده وانغماسها اللاإرادي المنضبط وتهذيب الانفعالات وكل الخطوات، يخاف الله، ينظر بعين الله، ويجعل من هذا الشهر ميزانًا لتفاعله، يحاول أن يغترف من البركة على قدر نضجه ووعيه لتفادي العثرات، ليقوّم بها جوارحه وتبقى السلامة حصنه الدائم، حاجزًا منيعًا لحفظ الأفكار وثقافة الدين… وهو بذلك يخلق مصداقًا رائعًا ليس هشًّا يعيش قلبه وعقله.
(روى الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السَّلام)، عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنّه قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لجابر بن عبد الله: «يا جابر، هذا شهر رمضان، من صام نهاره، وقام وِردًا من ليله، وعفّ بطنه وفرجه، وكفّ لسانه، خرج من ذنوبه كخروجه من الشهر».
فقال جابر: يا رسول الله، ما أحسن هذا الحديث!
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «يا جابر، وما أشدّ هذه الشروط»).
شهر البشائر والفوز بالجنان
في شهر رمضان لا مكان ولا زمان لألبسة النار وسرابيل القطران، وكذا الظالم والسجّان وإبليس الشيطان، فهم بقدرة المنّان مصفّدون بالأغلال، والخير كلّه مكنون يخدم الولدان ومن وهب نفسه للعبادة والإحسان وقراءة القرآن ودعوة الإخوان…
لأنّ النار بيت من لا يرحمه الله ولا وليّه، وكل من أذنب وقصّر وغرق في بحر ذنبه وآثامه لا يغفر له السبحان.
فلا ربح إلا للصائم، ولا فوز إلا للقائم، ولا نجاة إلا لمن أخلص وتفانى في عطائه؛ لأنّ العتق مطيّة من طلب العفو واستجار.
قال رسول الله صلوات الله عليه وآله:
(«يا معشر الناس، إذا طلع هلال شهر رمضان غُلّت مردة الشياطين، وفُتحت أبواب السماء، وأبواب الجنان، وأبواب الرحمة، وغُلّقت أبواب النار، واستُجيب الدعاء»).
شهر الحرب على الباطل
نحن في زمن يُساء فيه إلى رموز الحق وإلى دين الشرع وأهله، ساعين إلى زعزعة ساحة الدعوة وهمّة المؤمنين، وترويج الأفكار المتناقضة الضالّة عبر قنوات التسريب الضحلة بالغرابة وتزيينها بالبهرجة والممنوعات، وذلك غايةً في نفس يعقوب… إنّه أسلوبٌ من أساليب الحرب ووجهٌ من أوجه الباطل لفرض هيمنةٍ مطلقة، وذلك بإعطائهم البديل المناقض، كونه هو السلعة الأسهل وصولًا والأكثر انفتاحًا… للقضاء على رسالة السماء وأخلاقها.
(قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ما من عبدٍ صالحٍ يُشتم فيقول: إنّي صائم، سلامٌ عليك، لا أشتمك كما شتمتني، إلا قال الربّ تبارك وتعالى: استجار عبدي بالصوم من شرّ عبدي، فقد أجرته من النار»).
(رُوي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السَّلام) ـ في حديثٍ ـ أنّه قال: «رمضان شهر الله، استكثروا فيه من التهليل والتكبير والتحميد والتسبيح، وهو ربيع الفقراء»).
شهر الإبداع والإنجاز
يستعرض الشهر الكريم للمؤمن دهاليز الإنجاز أمامه، ويعزّز في ذاته شغف التواصل والرغبة والتنوّع في نشاطاته، ليضاهي العطاء بأسلوب الحاضر وإدراك العقلية بفكرة التراضي ومضمونٍ أخلاقيٍّ مميّز يستقطب بذلك فهم الإنسان دون استفزاز إلى حبّ الالتزام والتتبّع… ومنها الأدعية الواردة عن لسان المعصوم (عليه السلام) ولطافة منبعها وعباراتها وتسميتها وأسلوبها العرفانيّ المتميّز بالإبداع وجمال اللغة، وحصاد المعنيّات منها، والتي لها الأثر البالغ لتهذيب عقال النفس وذوبان الدمعة وكرمها من الأحداق وتسلسل الفكرة وضابطة التركيز على الهدف المفرغ منه…
شهر أسرار الله
لقد برمج أهل البيت (سلام الله عليهم) لشيعتهم كيفية امتلاك مفاتيح هذا الشهر وفهم القيمة وسبيل الخروج منه، وفق إمكانيّة التوافق والتفوّق في هذا الشهر، وجعلها من أولويات التواصل البشري مع الخالق سبحانه… لقد جمع الله في هذا الشهر سرّ الثقلين وأوعز إليه ألغازًا تستجدّها الكلمات بين سطور الأدعية المباركة الجامعة لصفات الله وتجليّات أسمائه، وبأسلوبٍ تكوينيٍّ ساحرٍ يخشع له قلب الباكي والذائب في معانيه… فكل الأدعية والأعمال والصلوات في شهر الله تخفي اسم الله الأعظم بين حروفها وجملها، وأيّ استغفارٍ يحفّز النفس لاحتواء مفتاح نجاحها وفلاحها… وبذلك نصل إلى حلولٍ لجذور دعواتنا والاستجابة…
(قال أمير المؤمنين عليه السلام: «عليكم في شهر رمضان بكثرة الاستغفار والدعاء؛ فأمّا الدعاء فيُدفع به عنكم البلاء، وأمّا الاستغفار فيمحو ذنوبكم»).
ومن العبادة أيضًا تفضيل الكساء الولائي واختياره جلبابًا لتعفّ النفس، وتستقرئ الحاضر بعينٍ واعيةٍ ناضجة، والتركيز على معطيات الدعوة والتمسّك بكتاب الله عبر قراءة القرآن وإدراك آياته وفهمها والعمل بها عن طريق روايات العترة الطاهرة وتفسيرهم لكتاب الله في شهر رمضان.
فلنبدأ مسير الصيام وأرواحُنا معلّقةٌ بعزّ قدسه، ونغوص ذاتيًّا لاحتواء روايات العترة وأدعيتها… لنتعرّف على أسرار هذا الشهر الفضيل ونلغي الفوارق التي تُلهمنا بالفساد والضياع، ونعيد الكرّة لحفظ التراث، ونجعل من أحكام الله سبحانه لنا سبيلًا لا نضلّ من بعده أبدًا.








اضافةتعليق
التعليقات