لا تدوم الفرحة أبدًا إلا ويتبعها حزن عميق… زينب الكبرى، وقف الحزن عتبة دارها يرجو منها قبول مواساته، بأنّه بابها العتيق… لا يكتمل الحديث في استشهادها إلا بذكر مآثرها، ومسيرها المتعب، وجرح الفراق الحسيني.
كيف كان تراث الخطاب عند زينب الكبرى؟!
صرخة، أو دمعة تجلّدت بالصبر؟!.. وأحزناه دعاؤها الممزّق بالأسى، الذي لم يغفُ يومًا على ساحل الحرير. زينب الكبرى، هي العمق الأكبر وذبذبات الوجع المتأرجح
على أرصفة التاريخ، لقد ابتلّ التراب من دموع جهدها ولهفاتها، وترك أثر أقدامها في قلوب محبّيها نارًا، خطوات متوجّرة ترفض الشر وترغب بالخير.
حتى أن لهفة الوجود قد دفنت جسدها الطاهر بلفافة التراث وحكمة التوطين، ليحفظ المجد ويؤرّخ للبشرية شخوصًا لا يكررها الواقع إلا عند احتدام ألوية الفيض، سنام البركة والطلب.
الكلمة عند ذكر السيدة زينب عليها السلام تتعثّر وتتوّكع من عمق الكآبة والانكسار، لا تنطق، لا ترفع صداها، مختنقة، وكأن دمعها أسير الزفرات والكربات، ينطق باسم زينب يحبو إلى احتضان النور.
اليوم، بيت الثقافة يبكي على حرفها الحزين، على الفكرة التي اعتنقت نهضة زينب ونظرها الصامت، تبكي على الكتاب وضجيج الجملة وصراخها، على أزيز المنابر وصدرها الحنون، تبكي على التباهي وقوة البأس في سيدة الجهاد.
اليوم تُقرأ الرواية وتُبصم على نهج تحمّل الـ«آه» والثوب الممزّق، على السبيل الذي جرّ أعناق الطهارة وسط لهيب الرمل القاتلة وعطش حناجر الذكر الحكيم.
من هو المسؤول في ضياع القبة الزاهرة؟!..
من الذي قتل البكاء وهو في حجر الأولياء؟!..
من الذي تعالى على النور ومعصم النجاة مقيّد بسلسال الإغاثة؟!
ومن الذي أكل حق التراث وجدول النقاء ومنع السيل أن يُستباح؟!..
نحن جميعًا مقصّرون، والقلم معوجّ لم يُرضِ بيت الجنان ولو بكلمة سناء. ومن يتغاضى عن فك رموز يوم العذاب، المسؤول هو من يستهين بالدين ويترك التعليم وفهم الحقيقة، ويستهزئ بالعفاف ويترك الأحكام، ويغرق نفسه في وحل النهم اللامتناهي من الملذّات، والذي أكل ونام وفي عنقه حق أيتام، والظالم الذي اجترأ على قبلة النور، واعتمد وتيرة الغضب وقتل الأولياء.
الأسباب كثيرة، والطلب أثير على ذمّة الاهتمام.
في محورية التاريخ أعمدة باهظة الهمّة، عظيمة الشأن، نافذة القرار والموقف، شديدة البأس، لها سلطة الأنبياء وقدرة تتكلم بالغيب.
شخص مثل زينب، وقد جمعت صفات وقدرات من علم وشجاعة وفهم وفصاحة ومنطق ونفاذ بصيرة وجهاد، جمعت شتات الرحلة وبنت لها سورًا محكم المواجهة.
قتلت بحكمتها وخطابها الظالم المستبد، وأشارت إلى قبره وهلاكه، فهي اللبوة التي قدح صوتها نفوذ الظالمين وكرسيهم العقيم، وأباح فضحهم على مرّ الأجيال. هذا اليوم، والملائكة سُجّدًا على أعتاب مقامك يا زينب الكبرى يتبركون ويبكون.
لم يُنصفك الدهر وأنتِ وحيدة الحزن والمصاب، بين جدران الصلاة والأعداء من حولك يستهزئون.
كيف نخرج من هائمة الفراق ونحن المقصّرون؟!
اجتمع أهل الكساء في شخص مولاتي، وامتلأت الذات النورانية في يوم كربلاء عشقًا وذوبانًا بالحسين، ولاءً مطلقًا وطاعةً واستقامة. فهي المتكلّمة الناطقة عن جدّها وأخيها وأمّها وأخويها، وهي رسالة الثورة التي افترض أن تحملها إلى كل أجيال التاريخ.
آه، صوت زينب والصورة، حزنها المتخفي برداء الدعوة إلى الله سبحانه. اليوم حزنًا عميقًا على فقد الكلمة بابها السيدة زينب سلام الله عليها، والمأساة في أحضان الغربة تبكي مولاتي زينب لوحدها.
اليوم كعبة النداء توشّحها السواد، يومٌ على آل الرسول عظيم. في شخص زينب الكبرى مراحل من تذكير لكل واجهة مسجد، وراية حسينية.
فلا يكتمل مصاب في دكّة عشق لآل البيت إلا بذكر سيدة العفاف زينب، لتهذيب أنفاس ذُلّت، وعيون عميت، وعقول داهنت، وأكف سرقت حقًا ورفعت راية ظالم من أجل باطل.
لقد شرّعت سيدة الجهاد للدين حلولًا ومعادلات لا يتخطّاها علم ولا عالم إلا بفهمها واحتسابها. لقد أهدت للحق خمارًا يخفي مفاتن، وأستارًا لوجه الشعار حتى يبقى نقيًا ثابتًا لا تضرّه لسعات الظواهر المبتذلة.
بقيت السيدة زينب هي المنافس الأقوى بعد واقعة الطف ومقتل سيد الشهداء الحسين سلام الله عليه وآله، لأنها قائدة المسير الذي قادته سيدات الرسالة والخدر والعفاف، وهم بدائل الثورة والمواقف التي لا تتكرر، والاحتجاج الأكبر بوجه الظالمين.
لقد اعتمرت مولاتنا رداء المواجهة، والذي اقتضى منها أن تستعين سبيل الظهور في ساحة العمل وكسر حاجز الاعتكاف، نظرًا لما استتبّ له الوضع الراهن آنذاك.
ولكي تحمي دين الإسلام والعقيدة والولاية المتمثّلة بأبيها علي (عليه السلام)، كان لا بدّ من التقدّم خطوات واعتزام خريطة تحفظ المسار من التخبط.
وحفظ الحجاب ودار العفاف كان لا بدّ من امتزاج يكمل مسير السيف وحمل الكتاب.
سلامٌ على من تجرّعت غصص الآلام والمآسي، وما لا تقوى على احتمالها الجبال الرواسي، فأصبحت للبلايا قبلتها، وللرزايا كعبتها… الألم ثقل لا يتحمّله إلا من عاش أسبابه وغرق في بحر أمواجه.
أيّ ألم عاشته مولاتي، وما هو لون المأساة التي داهمت قلبها، حتى قورنت بالجبال الرواسي؟
لا يكفي والله دموع البحر وإن كثر وفاض، فهي قليلة بحق أم المصائب. كيف يجتمع الصبر في قلب أصبحت البلايا قبلته والرزايا كعبته؟
إنه رابط النور الذي استقر إشعاعه مركز التلقين، قلبها المحب للحسين أخيها سلام الله عليهما. إنها يد الغيب والمعجزة: «وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى». هي صوت الحسين ولسانه وبصره وبصيرته.
هي أطواد الشهادة حين سجدت على جسد التاريخ وتوسّلت. هي طوفان الصراخ المنبعث من أعماق محاجر آية الشريعة أمها فاطمة (سلام الله عليها). وهي الملتقى الحسني حين الوداع والفراق. هي الكتاب الذي حوى وصايا جدّها وكل الأنبياء. هي دعوة أبيها عليًّا حين لبّى النداء.








اضافةتعليق
التعليقات