يشكّل صيام الأطفال تحدياً حقيقياً للأهالي، لا سيما عندما يتزامن شهر رمضان مع الدوام المدرسي. فالطفل الذي يغادر منزله في الصباح الباكر لا يحتاج إلى الإرادة وحدها، بل إلى دعم غذائي متوازن يمنحه طاقة مستقرة ويقيه العطش والتعب خلال ساعات الدراسة الطويلة. وهنا تتحول وجبة السحور من عادة تؤدى على عجل إلى ركيزة أساسية لصحة الطفل وتركيزه داخل الصف.
الأطفال في مراحل النمو السريع يستهلكون الطاقة ليس للحركة فقط، بل لبناء العظام والعضلات ونمو الدماغ. لذلك فإن احتياجاتهم الغذائية أكثر حساسية من البالغين، وأي نقص في وجبة السحور ينعكس سريعاً على نشاطهم واستيعابهم. كما أن معدل الأيض لديهم أعلى، ما يعني أن مخزون الطاقة ينفد بسرعة إذا لم تُوزن الوجبة بعناية بين الكربوهيدرات المعقدة والبروتينات.
الدماغ في سن التعلم يحتاج إلى إمداد مستمر من الطاقة، وأي انخفاض مفاجئ في مستوى السكر قد يظهر على شكل تقلب مزاج أو ضعف تركيز. وحتى الجفاف البسيط قد يسبب صداعاً وإرهاقاً يؤثران في الأداء الدراسي، ما يجعل السحور المتوازن ضرورة صحية وليست خياراً ثانوياً.
معادلة سحور متكامل
يمكن تحقيق هذا التوازن عبر خيارات عملية تناسب ذائقة الأطفال، مثل:
شطيرة خبز نخالة محشوة ببيض مسلوق أو دجاج مشوي مع شرائح خيار.
طبق شوفان بالحليب مضاف إليه موز ومكسرات.
لبنة مع خبز قمح كامل وطبق فاكهة جانبي.
زبادي يوناني مع برتقال أو موز.
هذه الأمثلة تجمع بين البروتين والكربوهيدرات المعقدة والبوتاسيوم، ما يساعد على تثبيت مستوى السكر في الدم وتقليل الشعور بالعطش.
وتوضح متخصصة التغذية رند بدوي أن إدراج البرتقال أو الموز في السحور يقلل الإحساس بالعطش لغناهما بالبوتاسيوم، الذي يساهم في الحفاظ على توازن السوائل في الجسم. كما تنصح بإضافة شرائح البطيخ أو التفاح، أو الخضراوات الغنية بالماء مثل الخيار والخس إلى الساندويتشات.
في المقابل، تحذر من الإفراط في الأطعمة المالحة كالمخللات والجبن عالي الملوحة والوجبات المصنعة، لأنها تزيد فقدان السوائل وتحفز الشعور بالعطش. وتشير إلى أن توزيع شرب الماء بين الإفطار والسحور بشكل تدريجي – كتناول كوب كل ساعة مساءً – أكثر فاعلية من شرب كمية كبيرة دفعة واحدة قبل الفجر. فالترطيب الجيد يتحقق بالتوازن المستمر بين السوائل والعناصر المعدنية، لا بالإفراط اللحظي.
النوم… شريك الغذاء
لا تكتمل المعادلة الغذائية من دون نوم كافٍ. فقلة النوم مع الصيام تضاعف الشعور بالإرهاق حتى مع سحور متكامل. لذا يُعد تنظيم أوقات النوم وتقليل السهر جزءاً أساسياً من دعم الطفل خلال الشهر.
وتلفت بدوي إلى ضرورة إيقاف الصيام فوراً عند ظهور علامات مثل اصفرار الوجه، الإرهاق الشديد، الدوخة المتكررة أو جفاف الفم الواضح، فهذه مؤشرات إلى عدم قدرة الطفل على التحمل.
وتؤكد المشرفة الأكاديمية عفاف في إحدى المدارس الابتدائية أن الأطفال الذين لا يتناولون سحوراً جيداً أو ينامون ساعات كافية يصلون إلى المدرسة في حالة كسل واضحة، مع تراجع في النشاط والتركيز قد يمتد طوال اليوم. وتحذر من أن انخفاض التركيز قد يعرّض الطفل للإصابات أثناء الفسحة أو الأنشطة البدنية، إضافة إلى احتمالات الدوار أو الإغماء مع المجهود أو التعرض للحرارة.
التدرج أساس التجربة
في ما يتعلق بالعمر المناسب، توصي بدوي باتباع مبدأ التدرج، خصوصاً في السنة الأولى من الصيام، مشيرة إلى إمكانية تعويد الطفل تدريجياً ابتداءً من سن السابعة، مع مراعاة قدرته الجسدية واستجابته اليومية، حتى تبقى التجربة تربوية وصحية لا عبئاً يفوق طاقته.
في المحصلة، يمثل رمضان فرصة لغرس قيم الانضباط والصبر لدى الأطفال، لكن ضمن إطار صحي آمن. والسحور المتوازن هو حجر الأساس ليوم دراسي أكثر هدوءاً وتركيزاً، بعيداً من عطش مرهق أو تعب يطغى على التجربة الروحية. فالاهتمام بهذه الوجبة الصغيرة استثمار مباشر في صحة الأبناء وطمأنينتهم طوال الشهر الفضيل.








اضافةتعليق
التعليقات