في أيام الشتاء الباردة، قد يبدو البقاء في المنزل والابتعاد عن الآخرين خيارًا مريحًا، إلا أن هذا الانكفاء لا يخدم صحتنا النفسية ولا يعزّز رفاهنا، سواء في هذا الفصل أو في غيره من أوقات السنة.
تشير الصحافية والمؤلفة جينيفر بريهيني والاس في كتابها Mattering: The Secret to a Life of Deep Connection and Purpose إلى أن سرّ الرضا عن الذات لا يكمن في الإنجاز الفردي بقدر ما يتمثل في شعور الإنسان بأنه مهم في حياة الآخرين.
حاجة إنسانية أساسية
توضح والاس أن الإحساس بالأهمية يُعدّ حاجة إنسانية أساسية، تلي الاحتياجات الفيزيولوجية مثل الطعام والمأوى. وتُظهر الأبحاث أن هذا الشعور يوجّه سلوك الإنسان، سواء نحو الازدهار أو نحو مسارات مدمّرة. فعندما يشعر الفرد بأنه غير مرئي أو غير مقدَّر، قد ينسحب اجتماعيًا، أو يلجأ إلى سلوكيات مؤذية مثل تعاطي المواد المخدّرة أو إيذاء الذات، أو حتى التعبير عن غضبه بطرق عدائية. وترى أن بعض مظاهر السلوك العدواني أو التطرف قد تكون محاولات غير واعية لقول: "أنا مهم".
خمسة عناصر للشعور بالأهمية
بحسب ما تطرحه والاس، يتكوّن الإحساس بالأهمية من خمسة عناصر رئيسية:
الاعتراف: أن يُقدَّر الإنسان لما هو عليه، لا لما يقدّمه فقط.
الاعتماد: شعور الفرد بأن هناك من يثق به ويعتمد عليه.
الأهمية اليومية: إدراك أن تفاصيله الصغيرة واهتماماته تحظى باهتمام الآخرين.
المواءمة: الإحساس بأنه مفهوم ومسموع، وأن استجاباته تلقى صدى حقيقيًا.
الاستثمار المتبادل: شعور بأن هناك تبادلًا عاطفيًا حقيقيًا، حيث يستثمر الآخرون فيه ويستثمر هو فيهم.
العلاقات بين التبادل والتحوّل
تلفت والاس إلى أن كثيرًا من العلاقات الحديثة أصبحت قائمة على المعاملات المدفوعة، بعدما كانت تقوم على تبادل الدعم بين أفراد المجتمع. صحيح أن الخدمات المدفوعة تلبّي احتياجات عملية، لكنها لا تمنح الشعور العاطفي العميق بالاعتماد المتبادل. وتشير أبحاث ممتدة على مدار عقد إلى أن قوة الإنسان النفسية ترتبط بعمق علاقاته وبالدعم الذي يتلقاه منها، لا بعدد الخدمات التي يحصل عليها.
العطاء يولّد الطاقة
ورغم شعور كثيرين بالإرهاق وضيق الوقت، تؤكد والاس أن الطاقة الإنسانية لا تعمل كالرصيد البنكي الذي ينفد، بل كعضلة تقوى بالاستخدام. فالمبادرات الصغيرة لدعم الآخرين — سواء في المنزل أو الحي أو العمل — يمكن أن تعزّز الإحساس بالغاية، وتمنح الإنسان طاقة إضافية بدل أن تستنزفه.
مقدّمو الرعاية… من يرعاهم؟
توضح والاس أن مقدّمي الرعاية، مثل الآباء الجدد أو من يعتنون بوالدين مسنين، قد يشعرون بأهميتهم من خلال مسؤولياتهم، لكنهم معرّضون أيضًا للإرهاق إذا لم يجدوا من يذكّرهم بقيمتهم الشخصية. فالعطاء المستمر دون دعم متبادل يؤدي إلى الاحتراق النفسي. ولهذا يحتاج مقدّمو الرعاية إلى دوائر دعم تُشعرهم هم أيضًا بأنهم مرئيون ومقدَّرون.
الأصدقاء هم “الأكسجين”
تؤكد والاس أن الصمود النفسي لا يتجذّر في ممارسات سطحية للعناية بالذات، بل في العلاقات الإنسانية العميقة. وتشير أبحاث صادرة عن Mayo Clinic إلى أن قضاء ساعة أسبوعيًا مع أشخاص يعزّزون إحساسنا بالأهمية، ويجعلوننا نشعر بأننا مفهومون ومحلّ عناية، كفيل بمدّنا بالطاقة اللازمة لمواجهة الضغوط اليومية.
العناية بالذات ليست أنانية
وتختتم والاس بالتأكيد على أن العناية بالذات ليست فعلًا أنانيًا، بل خطوة استراتيجية تتيح للإنسان أن يمنح من موقع الامتلاء لا الاستنزاف. فإدراج احتياجاتنا ضمن أولوياتنا لا يعني تقديم أنفسنا دائمًا، بل يعني الاعتراف بأننا، مثل الآخرين، نستحق الرعاية والدعم.
في النهاية، يبدو أن الشعور بالأهمية ليس رفاهية نفسية، بل ركيزة أساسية للصحة النفسية والاجتماعية، ومفتاحًا لحياة أكثر اتصالًا وغاية.








اضافةتعليق
التعليقات