ربما جميعنا سمعنا قول آبائنا وتأسفهم على تضييع الفرص، حيث يتكلمون عن تلك القطعة في منطقة كذائية، ولكن لم يصدقوا بأنها تنال الفوز العظيم وتصبح حسرة العمر لعدم شرائها. أو أقرب مثال: إيثريوم وبيتكوين، من كان يصدق هذا الصعود المرعب؟ أو صعود الفضة مثلًا كأقرب مثال لعدم انتهاز الفرص المالية. ولكن هذه الفرص تحت المجهر ونراها بوضوح ونتحسر عليها. ماذا عن حسراتنا المعنوية في يوم الحسرة؟
تلك الحسرات التي تغيّر مسير الإنسان إلى الجنة أو النار؟
في هذا الشهر الفضيل نبحث عن كل عمل يقربنا إلى الله، تلك الأعمال التي لها فضائل كثيرة، كتلك الصلوات في ليالي شهر رمضان التي ترفع درجاتنا وتكون مغفرة لآبائنا، أو قصورًا مشيّدة بالياقوت والزبرجد، أو غلمانًا وحور العين و…
يا ترى ما هو أفضل عمل في ليالي القدر مثلًا؟ في الليلة التي هي خير من ألف شهر؟
كيف أقضي وقتي؟
بين غسل، ودعاء، واستغفار، وصلاة، وزيارة مولانا سيد الشهداء من جانب، ورفع المصاحف من جانب آخر، كنت أبحث عن الإكسير الأعظم. يا ترى ماذا يفعل العلماء والصلحاء في هذه الليلة؟ ولماذا يجعلون نصيبًا من كسب العلم في هذه الليلة؟
الإجابة موجودة في درر أهل البيت عليهم السلام.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول:
طلب العلم فريضة على كل مسلم، فاطلبوا العلم من مظانه واقتبسوه من أهله، فإن تعليمه لله حسنة، وطلبه عبادة، والمذاكرة به تسبيح، والعمل به جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة إلى الله تعالى؛ لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل الجنة، والمونس في الوحشة، والصاحب في الغربة والوحدة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء. يرفع الله به أقوامًا فيجعلهم في الخير قادة تقتبس آثارهم، ويهتدى بفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتها تبارك عليهم، يستغفر لهم كل رطب ويابس حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه.
إن العلم حياة القلوب من الجهل، وضياء الأبصار من الظلمة، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منازل الأخيار ومجالس الأبرار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة. الذكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، به يطاع الرب ويعبد، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام. العلم إمام العمل والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء، فطوبى لمن لم يحرمه الله منه حظه.
قال السجاد (عليه السلام): إن طالب العلم إذا خرج من منزله لم يضع رجله على رطب ولا يابس من الأرض إلا سبحت له إلى الأرضين السابعة.
ماذا لو كان هذا العلم كسب معرفة ساداتنا الأطهار وأهل بيت نبينا صلى الله عليه وآله؟
مثلًا: فضيلة من فضائل شهيد المحراب، وصي الرسول، ابن عمه وصهره وخليفته عليهم أفضل الصلاة والسلام.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
"إن الله تعالى جعل لأخي علي بن أبي طالب عليه السلام فضائل لا يحصي عددها غيره، فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرًا بها غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ولو وافى القيامة بذنوب الثقلين، ومن كتب فضيلة من فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسم، ومن استمع إلى فضيلة من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالاستماع، ومن نظر إلى كتابة في فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالنظر".
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
"النظر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام عبادة، وذكره عبادة، ولا يقبل إيمان عبد إلا بولايته والبراءة من أعدائه".
وهكذا ندرك أن الفرص ليست كلها فرصًا مالية تُشترى وتُباع، بل إن أعظم الفرص هي تلك التي تُصنع بها الآخرة.
فكم من إنسان تحسر على أرضٍ لم يشترها أو تجارةٍ لم يدخلها، ولكن يوم القيامة ستكون الحسرة الأعظم على لحظةٍ ضاعت ولم تُستثمر في القرب من الله.
إن ليالي القدر ليست مجرد ساعات نملؤها بالأعمال، بل هي فرصة عمر قد تغيّر مصير الإنسان كله.
وفي هذه الليالي المباركة، حين ترتفع الأكف بالدعاء، وتُفتح المصاحف، وتُسكب الدموع طلبًا للمغفرة، يبقى العلم ومعرفة أولياء الله من أعظم الكنوز التي يمكن أن يغتنمها الإنسان.
فمعرفة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وذكر فضائلهم، والتأمل في سيرتهم، ليست مجرد معلومات، بل هي نور يهدي القلب وطريق يقود إلى الله.
ومن أعظم تلك المعارف معرفة مقام علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي جعله الله باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله، ومنار الهداية بعده.
فلعل كلمة نسمعها، أو فضيلة نذكرها، أو معرفة نكتسبها في هذه الليالي، تكون سببًا لمغفرة ذنوبنا ورفع درجاتنا.
ولعلها تكون الفرصة التي لا نندم عليها يوم الحسرة.








اضافةتعليق
التعليقات