كلما تمر الأيام و أتعمق في سطور الكتب أجد تأثير سلامة القلب على حياة الإنسان لذلك نجد لماذا تحث الآيات والروايات على سلامة النية و تشير إلى أهمية القلب بجدية وبالأدعية أيضا ندعو كثيرا لننال هذا المقام الرفيع وهو سلامة القلب.
لذلك أحيانا حتى عدم الحركة والحياد ممكن أن يحسب حركة قاتلة ويؤثم عليه الفرد كما إن الإنسان لا يُحاسَب فقط على ما يفعله بيده، بل أيضًا على ما يرضى به في قلبه.
ورد عن مولانا الإمام الجواد (عليه السلام): "من شهد أمراً فكرهه كان كمن غاب عنه، ومن غاب عن أمر فرضيه كان كمن شهده".
فأخطر مرحلة يصل لها المجتمع ليست انتشار الذنب… بل اعتياد الناس عليه والسكوت عنه والرضا به لأن كل واحد منهم سيكون سببا في نشر الفساد وتعميمه وانتقاله إلى الأجيال اللاحقة وكذلك العكس هذا ما لمسناه في قصص التاريخ ورأينا أثر التضحيات مثلا في قضية زيارة الامام الحسين (عليه السلام) عندما كانوا يقطعون الأيادي و الأرجل ليمنعوا الناس عن الزيارة لنتخيل ماذا كان يحدث في تلك الفترة لو الجميع غابوا عن الساحة ولم يتشرف أحد لزيارة سيد الشهداء (عليه السلام) فقد كانت تمحى أهمية هذه الزيارة بين الأجيال ولكن بتضحية الناس وايثارهم نعرف اليوم أية نعمة عظيمة أصبحت من نصيبنا وكم نحن مسؤولون أمام الحفاظ عليها وفي المقابل هناك قصة أصحاب لوط والتأييد الجماعي و نزول العذاب وآلاف القصص الأخرى كما في واقعة الطف حيث نقرأ في زيارة عاشوراء وأسرجت وألجمت وتنقبت لقتالك…
مما يوسع الدائرة للبحث عن الظالم والقاتل ويبين كيف إن الإنسان يشارك في الجريمة بأبسط الأمور و الأدق من ذلك إن ليس كل غائب بريئًا، فقد يكون جسده بعيدًا لكن قلبه مؤيدًا للباطل ربما يكون الإنسان مؤيدا لفعل حدث قبل قرون ويكون شريكا فيه يوم القيامة.
وبالعكس قد يكون الإنسان وسط الفتنة لكنه رافض لها بقلبه، فينجو عند الله أو يكون راضيا لأمر ما ويكون عونا للظلمة.
قصة صفوان الجمال من أجمل القصص حيث تبين مدى أهمية الأمر وكيف يجب أن يركز الإنسان على التفاصيل، عن صفوان الجمّال قال:
دخلتُ على أبي الحسن الأول موسى بن جعفر عليهما السلام، فقال لي:
«يا صفوان، كلُّ شيءٍ منك حسنٌ جميل، ما خلا شيئًا واحدًا».
قلت: جعلت فداك، أيُّ شيء؟
قال: «إكراؤك جِمالك من هذا الرجل» ـ يعني هارون
قلت: والله ما أكريتُها أشَرًا ولا بَطَرًا ولا للصيد ولا للهو، ولكن أكريتُها لهذا الطريق ـ يعني طريق مكة، ولا أتولاّه بنفسي، ولكن أبعثُ معه غلماني.
فقال لي: «يا صفوان، أيقع كراؤك عليهم؟»
قلت: نعم، جعلت فداك.
فقال: «أتحبُّ بقاءهم حتى يخرج كراك؟»
قلت: نعم.
فقال: «من أحبَّ بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم كان ورد النار».
قال صفوان: فذهبتُ فبعتُ جِمالي عن آخرها.
الإمام (عليه السلام) لم يقل إن صفوان ظالم، ولا إنه شارك في ظلم هارون مباشرة، بل ركّز على أمر أخطر: أن قلب الإنسان قد يتعلق ببقاء الظالم ولو لمصلحة دنيوية بسيطة.
لأن صفوان كان ينتظر أن يبقى هارون حيًا حتى يدفع أجرة الجمال.
فالإمام أراد أن يربيه على:
عدم ربط القلب بمصلحة قائمة على بقاء الظالم وأن المؤمن لا يتمنى دوام قوة الباطل ولو لأجل منفعة شخصية
كما أن صفوان الجمّال لم يحمل سيفًا مع هارون، لكنه تعلّق ببقائه لأجل مصلحة، نبّه الإمام الكاظم عليه السلام إلى خطورة الرضا القلبي ببقاء الظالم، وهو نفس المعنى الذي يؤكده الإمام الجواد عليه السلام:
«ومن غاب عن أمر فرضيه كان كمن شهده».
فالقضية ليست فقط: ماذا فعلت؟
بل أيضًا: ماذا تمنّيت؟ ومع من كان قلبك؟
الإنسان يتأثر بمن يرضى بهم ويجالسهم، ومع الوقت قد يتحول الرضا القلبي إلى مشاركة فعلية.
أهل البيت (عليهم السلام) لم يربّوا أتباعهم فقط على ترك الظلم، بل على كراهية الظلم حتى بالقلب؛ لأن القلب إذا اعتاد الرضا بالباطل، أصبح الباطل مع الزمن أمرًا طبيعيًا.
فهذا أسوء ما يحدث للإنسان حيث إنه يبتعد شيئا فشيئا عن النور لذلك نردد في الدعاء: اللهم فثبتني على دينك واستعملني بطاعتك، و لين قلبي لولي أمرك، وعافني مما امتحنت به خلقك، وثبتني على طاعة ولي أمرك الذي سترته عن خلقك ...








اضافةتعليق
التعليقات