تحلّ بنا في التاسع والعشرين من شهر ذي القعدة لوعة ذكرى أليمة، ومصيبة راتبة فجعت قلوب المؤمنين، وهي ذكرى استشهاد باب المراد، الإمام محمد بن علي الجواد (عليه السلام)، الذي رحل عن هذه الدنيا غريباً، مسموماً، عطشاناً، شهيداً في أرض بغداد، بعيداً عن موطنه وأهله وشيعته، وهو في عنفوان شبابه ولم يتجاوز عمره الشريف خمسة وعشرين ربيعاً.
لقد مثّلت حياة الإمام الجواد (ع) ظاهرة فريدة في التاريخ الإسلامي؛ إذ تقلّد منصة الإمامة الإلهية وهو في سن الطفولة (قرابة السابعة من عمره)، فكان حجة الله القاطعة التي أفحمت كبار العلماء والفقهاء في مناظرات تاريخية شهد بها المؤالف والمخالف. ورغم قصر عمره الشريف، والمضايقات العباسية الشديدة التي أحاطت به، إلا أنه استطاع أن يقود الأمة بعبقرية رسالية، ويثبت دعائم خط أهل البيت (عليهم السلام) ممهداً لعصر الغيبة.
توصيات ورسائل للشباب المؤمن
إن إحياء ذكرى الإمام الشباب (ع) لا ينبغي أن يقتصر على البكاء والعزاء فحسب، بل يجب أن يتحول إلى منهج حياة واستلهام للدروس، خصوصاً لشبابنا المؤمن الذين يواجهون تحديات فكرية وأخلاقية معاصرة. إليكم جملة من التوصيات المستوحاة من سيرة باب المراد:
أولاً: سلاح الوعي والتفوق العلمي
أثبت الإمام الجواد (ع) أن العطاء والتميز لا يقاسان بالعمر السني، بل بعمق الوعي وغزارة العلم. على الشباب المؤمن اليوم أن يسعى لامتلاك ناصية العلم والمعرفة، والتميز في التخصصات الأكاديمية والثقافية، ليكونوا واجهة مشرفة لدينهم وعقيدتهم، وقادرين على الرد على الشبهات الفكرية المعاصرة بثقة وحجة بالغة.
ثانياً: التحصن بالتقوى في زمن الفتن
عاش الإمام الجواد (ع) في بلاط المأمون والمعتصم حيث المغريات والفتن، لكنه بقي جبلاً أشم في تقواه وزهده. والشباب اليوم مستهدفون في أخلاقهم وعفتهم عبر الفضاء الرقمي؛ لذا فإن التمسك بالتقوى والورع ومراقبة الله في الخلوات هو الدرع الحصين لحفظ الهوية الإيمانية. يقول الإمام الجواد (ع): «المؤمن يحتاج إلى توفيق من الله، وواعظ من نفسه، وقبول ممن ينصحه».
ثالثا: العمل الرسالي وخدمة المجتمع
عُرف الإمام بـ "الجواد" لكثرة عطائه وقضائه لحوائج الناس ومساعدتهم. التوصية للشباب هنا هي الخروج من الأنانية والانخراط في العمل التطوعي، وخدمة المجتمع، وإعانة الفقراء والمحتاجين، فالمؤمن الحقيقي هو النافع لغيره، والممهد لظهور إمام زمانه (عج) بإصلاح ما حوله.
رابعاً: الصبر والثبات على المبادئ
رغم التضييق والإقامة الجبرية والظلم الذي تعرض له الإمام (ع)، إلا أنه لم يساوم على الحق. إن الثبات على الهوية الإسلامية والقيم المهدوية في زمن التحلل الأخلاقي يتطلب صبراً كبيراً وعزيمة صلبة لا تهزها سخرية المستهزئين أو ضغوط الواقع المعاكس.
ختاما: إن دموعنا التي تنهمل في ٢٩ ذي القعدة على عطش الإمام الجواد وغربته، يجب أن تجدد فينا العهد على أن نكون زينًا لأهل البيت (ع) لا شينًا عليهم. لنكن الشباب الرسالي الواعي الذي يحمل فكر الجواد (ع) وجوده، ويسير على نهجه حتى ينال شفاعته ورضوان الله تعالى.








اضافةتعليق
التعليقات