تطلُّ علينا ذكرى الخامس والعشرين من شوال، حاملةً معها شجناً لا يَبلى، وعزاءً يتجددُ بتجددِ الزمان فهي الذكرى التي غُيِّبَ فيها جسدُ مَنْ ملأ الآفاقَ علماً، وشغلَ الدنيا حكمةً، الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام).
ذلك العالِمُ الذي لم تقفْ عندَ عتبةِ علمِهِ حدود، ولم يلحقْ بشأوِ معرفتِهِ كادح، فكان كما وُصِف: بَحراً لا يُدركُ قعرُه، ونبراساً لا ينطفئُ نورُه.
سُلطانُ المعرفةِ وعميدُ الفكر
لم يكن الإمام الصادق (عليه السلام) مجردَ حلقةٍ في سلسلةِ الإمامة، بل كان مَفصلاً تاريخياً صاغَ هُويةَ الأمةِ العلمية في أدقِّ مراحلها. ففي الوقتِ الذي كانت فيهِ السياسةُ تتصارعُ على جثثِ الطموحات، كان الصادقُ (عليه السلام) يشيدُ إمبراطوريةً من نوعٍ آخر؛ إمبراطوريةُ العقلِ والبرهان.
فقد تحوّل بيتُه ومسجدُ جَدِّه إلى جامعةٍ كبرى، أمَّها القاصي والداني، وضمت تحتَ لِوائها آلاف الرواةِ والعلماء، فكانت مَنبعاً للفقهاء، ومَلاذاً للفلاسفة، ومختبراً لعلماءِ الكيمياءِ والطب.
لقد استطاع الإمام، برصانتِهِ الأدبيةِ وعمقِهِ الفلسفي، أن يواجهَ التياراتِ الفكريةَ الوافدة، ويُفكك الشبهاتِ بلسانٍ ناطقٍ بالحق، وقلبٍ مفعمٍ بالصبر، فكان "أبا عبد الله" الذي أحيا سُننَ جَدّهِ المصطفى، وحفظَ بدموعِهِ ونحيبِهِ مأساةَ جَدّهِ الحسين (عليه السلام)، فكان الناعي والمستنهض للقيمِ التي استُشهد من أجلها سيدُ الشهداء.
سِيماءُ الطهرِ وصبرُ الكرام
إن الألقابَ التي حُفَّت بها شخصيةُ الإمام؛ من الفاضل والطاهر والصابر لم تكن أوصافاً للمدحِ الفضفاض، بل كانت انعكاساً لواقعٍ عاشه في مواجهةِ غطرسةِ المنصورِ الدوانيقي وتضييقاتِ السلطةِ العباسية. فقد تجرّع الإمامُ الصبرَ مُرّاً، وشاهدَ بعينيهِ مِحَنَ آلِ أبي طالب، فما زادهُ ذلك إلا ثباتاً على المبدأ، وتمسكاً برسالةِ العلمِ كخيارٍ وحيدٍ للإصلاح.
كان الصادقُ (عليه السلام) يرى أنَّ العالِمَ بوقتِه لا تهجمُ عليه اللوابس ومن هنا انطلقَ في بناءِ الشخصيةِ الإسلامية الواعية، التي ترفضُ الجهلَ كما ترفضُ الظلم.
غيابُ الجسدِ وخلودُ الأثر
في سنة 148هـ، ارتحلت تلك الروحُ الطاهرة إلى بارئها مسمومةً مظلومة، لكنَّ الصادقَ لم يمتْ؛ ففي كلِّ مسألةٍ فقهية، وفي كلِّ حقيقةٍ علمية، وفي كلِّ موقفٍ أخلاقي يُنصفُ المظلوم، يتجلى جعفرُ بن محمد. إننا اليوم إذ نُعزي أنفسنا والعالمَ برحيلِ هذا الطودِ العظيم، فإننا نجددُ العهدَ بأن نكونَ زيناً له لا شيناً عليه، متمسكين بعروةِ العلمِ والتقوى التي فصّلها في حياته.
سلامٌ على الصادقِ يومَ وُلد، ويومَ استُشهد، ويومَ يُبعثُ حياً، وسلامٌ على قَبرِهِ في البقيع، الذي وإن عَفِيَ أثرهُ ظاهراً، فإنهُ في شغافِ القلوبِ حِصنٌ مَشيد، ومنارةٌ لا تغيب.








اضافةتعليق
التعليقات