إن النهضة في جوهرها ليست مجرد أرقام صماء أو مبان شاهقة، بل هي نتاج تراكمي لجهد بشري صامت سكب فيه العمال خلاصة أعمارهم وعصارة عرقهم ليرتقي بنيان المجتمع وتستقيم معالم الحياة. وما الاحتفاء السنوي بعيد العمال إلا وقفة تأمل وإجلال لتلك السواعد التي طوعت الصخر ولانت لها الشدائد، غير أن المشهد لا يخلو من مفارقة عميقة تفرض نفسها في كل عام؛ حيث يغدو هذا اليوم عطلة رسمية لمن هم في مأمن من وعثاء المهن الشاقة، بينما يظل العامل الحقيقي مرابطاً في موقعه، يغزل من تعبه راحة الآخرين، ومن سكون المدينة صخباً لإدامة الحياة.
إن فلسفة العمل تتجاوز المفهوم المادي القائم على مبدأ الأجر والمقابل، لتصل إلى مرتبة القداسة في العطاء؛ فاليد التي خشن ملمسها لم تفعل ذلك إلا لتنسج للأجيال دروب العيش الرغيد، والنفوس التي آثرت التضحية براحتها الشخصية إنما كانت تشتري بذاك العناء كرامة الانتماء وعزة النفس.
إن هؤلاء الذين يزرعون الأمل في زوايا الأرض دون ضجيج أو انتظار لثناء، هم الركيزة التي يقوم عليها وجدان الأمم، وهم الأحق بالذكر حين ترفع رايات الإنجاز.
إن الرصانة في طرح قضية العامل تقتضي منا الاعتراف بأن العدالة لا تتحقق بمجرد منح يوم من الراحة لغير مستحقيها، بل في إرساء قيم تقدر الجهد الميداني وتصون حقوق من لا يملكون ترف التوقف عن العطاء.
إن أولئك الذين يقضون عيدهم في المصانع، أو خلف المخابز، أو في ممرات المشافي، وفي ميادين النظافة والبناء، هم الجوهرة الحقيقية لهذا اليوم، وهم الذين يمنحون للتاريخ معناه الحقيقي؛ فكل رغيف خبز يخرج للنور هو قصة كفاح تروى بصمت، وكل صرح يشيد هو شاهد حي على أن إرادة الإنسان هي المحرك الأول للحضارة.
ختاماً يبقى الأثر الطيب هو الميزان الأصدق لكل عمل، وما يتركه العاملون من بصمات في زوايا الأرض هو الإرث الباقي الذي لا تمحوه الأيام؛ فسلام على تلك الوجوه التي تبتسم رغم التعب، وعلى القلوب التي تنبض بالأمل رغم المشقة، فأنتم العيد وأنتم صانعوه وأنتم المجد في أعلى صورة.








اضافةتعليق
التعليقات