حين غادرتْ الدنيا مع تابوت أبي
كانت السماء في ذلك اليوم عادية جداً، شمسها فاترة وهواؤها ساكن، لم تكن تنبئ أبداً بأن زلزالاً سيهدم سقف حياتي فوق رأسي. غادر والدي، حبيبي وصديق عمري، متوجهاً إلى المشفى بخطواتٍ لم تكن توحي بالوداع، بل بالأمل في الشفاء ودّعني بابتسامةٍ كانت هي آخر خيطٍ يربطني بالأمان، وتركني أنتظر عودته لأحكي له عن تفاهات يومي التي لا تكتمل إلا به.
مرت الساعات ثقيلة، كنتُ أرسم في خيالي مشهد دخوله من الباب مرة أخرى، أتخيله يجلس في ركنه المعتاد، يمسك بيدي ويخبرني أن كل شيء سيكون بخير. كنتُ أخطط لليوم الذي سيمسك فيه بيدي ليزفني، ولليوم الذي سيحمل فيه أولادي على كتفيه، تماماً كما كان يحملني وأنا صغيرة.
كان هو البطل في قصتي، الرجل الذي لا يهزمه مرض ولا يغيبه غياب.
لكن الصدمة أقوى من قدرة قلبي على الاحتمال عاد أبي، نعم عاد، ولكن ليس مشياً على قدميه. عاد محمولاً على أكتاف الرجال، داخل تابوتٍ خشبيٍ صامت، بارد، لا يشبه دفء قلبه الذي احتواني لسنوات. في تلك اللحظة، شعرتُ أن الزمن توقف، وأن العالم الذي كنتُ أعرفه قد انتهى. نظرتُ إلى الأكتاف التي تحمله، ووددتُ لو أنني أستطيع صلب قامتي لأحمله أنا، كما حملني طوال حياتي فوق جراحه وتعبه.
رحل الرجل الذي كان يشعرني أنني ملكة، الصديق الذي كان يفهم صمتي قبل كلامي. تركني وحيدة في دنيا كنتُ أظن أنني سأعبرها بظله. اليوم، لا أملك إلا عطره العالق في ثيابه، وصدى صوته الذي يهمس في أذني كلما ضاقت بي السبل.
لقد غادر والدي بجسده، لكنه ترك في قلبي ندبةً لا يبرؤها إلا اللقاء في جنة الخلد، وسأظل أحيا على ذكراه، قويةً كما أراد لي أن أكون، وإن كان كسري لا يُجبر.
عهدٌ لا يقطعه الغياب
وهكذا، انطوت صفحة من أجمل صفحات حياتي، لكن الحكاية لم تنتهِ. فوالدي لم يكن مجرد عابرٍ في أيامي، بل كان هو الأرض التي أقف عليها، والحائط الذي أسندتُ إليه خيباتي قبل نجاحاتي. رحل الذي كان يرى فيّ الدنيا، وترك لي أمانةً ثقيلة: أن أكون امتداداً لصلاحه، وصوتاً لدعواته، وقلباً يحمل قِيَمه التي لا تموت.
كلما مررتُ بمقعده الخالي، أو شممتُ بقايا عطره في معطفه المعلق، سأبتسم رغم الدمع سأبتسم لأنني كنتُ ابنةً لرجلٍ عظيم كافح لأجلي حتى الرمق الأخير. سأعيش بقوة لأجله، سأزوّج أولادي وسأحكي لهم عن جدهم البطل الذي غادرنا بجسده ليبقى ملكاً متوجاً في ذاكرتنا.
لن أقول وداعاً يا حبيبي، بل سأقول: إلى لقاءٍ يجمعنا تحت ظل عرش الرحمن، حيث لا وجع، لا مستشفيات، ولا توابيت تفرق بين المحبين.








اضافةتعليق
التعليقات