في الخامس عشر من شهر رجب المرجب، تخيم نفحات الحزن والقداسة بذكرى وفاة عقيلة بني هاشم السيدة زينب بنت علي (عليها السلام). هذه الذكرى ليست مجرد استذكار لرحيل جسد، بل هي محطة سنوية لاستنهاض القيم وتجديد العهد مع المرأة التي استطاعت بصبرها وعلمها أن تحول الانكسار العسكري في كربلاء إلى فتح إعلامي وأخلاقي خالد، لا يزال صداه يتردد عبر العصور.
الإعلام الزينبي: عبقرية الكلمة في وجه التضليل
يُمثل الدور الذي لعبته السيدة زينب بعد واقعة الطف ذروة الإعلام الحقيقي ففي زمن حاول فيه الباطل طمس الحقائق، كانت خطاباتها هي القوة الناعمة التي هزت عروش الظالمين. لقد تجلى دورها الإعلامي في كشف زيف الادعاءات، وصناعة الرأي العام المستنير، وإثبات أن الكلمة الصادقة أشد فتكاً بالظالمين من السلاح؛ فكانت بحق صوت الحسين الذي لم ينقطع.
كيف يجب أن تحيي النساء هذا اليوم؟
لا ينبغي أن يقتصر إحياء ذكرى استشهادها على البكاء فحسب، بل يجب أن يكون إحياءً زينبياً واعياً من خلال:
1. مجالس الوعي: إقامة محافل تركز على سيرة العقيلة العلمية والقيادية، وليس فقط الجانب المأساوي.
2. مبادرات التكافل: الاقتداء بخدمتها للعائلة والأيتام عبر تقديم المساعدات للمحتاجين والفقراء باسم أم المصائب.
3. تجديد العهد مع الحجاب: أن يكون هذا اليوم منطلقاً لتعزيز الالتزام بالستر الزينبي، ليكون الحجاب رسالة صمود لا مجرد عادة.
4. النشر الهادف: تحويل منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات لإحياء قيمها، ونشر مقولات ترفع من شأن المرأة وتصحح المفاهيم المغلوطة عن دورها.
أصوات من الواقع: كيف نتمثل النهج الزينبي اليوم؟
في استطلاع لآراء لموقع بشرى حياة ونساء من خلفيات مختلفة حول كيفية تجسيد هذه الشخصية العظيمة، كانت الردود ملهمة:
أولاً: من أروقة الجامعات (رؤية الفتاة الطموحة)
تقول فاطمة (طالبة هندسة):
"بالنسبة لي، الزينبية في الجامعة تعني العزة أن أكون متفوقة في دراستي ومتمسكة بحجابي ووقاري في آن واحد، السيدة زينب علمتني أن العلم والحضور الاجتماعي لا يتعارضان مع العفة، بل يكملانها."
بينما تضيف زينب (طالبة إعلام):
"أرى في السيدة زينب أعظم إعلامية في التاريخ هي علمتني أن الإعلامي الناجح هو من يملك الشجاعة لنقل الحقيقة مهما كان الثمن. واضافت أحاول اليوم أن أستخدم حساباتي في التواصل الاجتماعي لنشر الوعي والقيم الأخلاقية اقتداءً بها."
ثانياً: من قلب البيوت (رؤية الأم المربية)
تقول أم أحمد (ربة بيت):
"الصبر هو الدرس الأول، عندما أواجه ضغوط الحياة وتربية الأبناء، أتذكر قولها ما "رأيت إلا جميلاً" هذا النهج يحول تعبي في بيتي من مجرد روتين إلى عبادة وصناعة أجيال."
وتشاركنا رقية (أم لثلاث بنات):
"أربي بناتي على أن الستر هو تاج للملكة وليس قيداً، أعلمهن أن السيدة زينب كانت قوية الشخصية، مسموعة الكلمة، وفي قمة طهرها أريدهن أن يكنَّ قويات بالعلم ومحصنات بالدين."
تربية البنات على النهج الزينبي
بناءً على هذه الرؤى، يمكننا تلخيص التربية الزينبية في نقاط:
بناء الشخصية القيادية: تعليم الفتاة أن تكون صاحبة رأي وبصيرة، لا تابعة مقلدة للصرعات السطحية.
الحياء كقوة: إفهامها أن الحياء هو وقار يمنحها الهيبة، وليس عائقاً أمام طموحها وعلمها.
القدوة العملية: أن تلامس الفتاة في والدتها ومعلمتها روح الصبر والترفع عن الصغائر.
ستظل السيدة زينب (عليها السلام)، التي فارقت دنيانا في الخامس عشر من رجب، جبل الصبر الذي لا يُهزم، والمعلمة التي أثبتت أن المرأة هي حارسة القيم وصوت الحق.
إن إحياء ذكراها الحقيقي يتجسد في تلك الفتاة الجامعية التي تسمو بأخلاقها، وتلك الأم التي تبني أسرتها على المودة والصبر، ليظل النهج الزينبي حياً ونوراً يستضاء به في ظلمات الفتن.








اضافةتعليق
التعليقات