هناك تضحيات لا تُرى بالعين المجردة، بل تُحس بالروح. هي قصة امرأة لم تصنع مجداً شخصياً، بل كانت هي المصنع الذي صاغ من طين الانكسار ذهب الإنجاز امرأة قررت أن تكون السقف حين غاب السند، والبوصلة حين تاهت السبل.
وحيدة أمام الريح
عندما رحل شريك الدرب، لم ترحل معه الذكريات فحسب، بل رحل الأمان المادي والمعنوي، تاركاً إياها في مواجهة عاتية مع الحياة.
مريم لم تكن تملك حسابات بنكية ولا إرثاً من العقارات، كان رصيدها الوحيد ثلاثة أطفال ينظرون إليها كأنها العالم بأسره.
في تلك اللحظة، اتخذت قراراً إنسانياً عظيماً: "لن يشعر هؤلاء باليتم ما دمتُ أتنفس".
بدأت رحلتها كقائدة خفية، تعمل في صمت المنهكين كانت تستيقظ قبل الفجر لتجهز لهم خبزاً مغموساً بالحب، ثم تخرج لمواجهة مجتمع لا يرحم المرأة الوحيدة، تعمل في مهن شاقة تارة، وتطرز أحلام الآخرين بإبرتها تارة أخرى، لتوفر لأطفالها ثمن كتاب أو رداء مدرسة.
نارٌ تصفي الذهب
لم تكن الطريق مفروشة بالورد بل كانت مليئة بالأشواك التي أدمت قدميها مرت عليها لحظات قاسية، كأن يمرض أحد أبنائها ولا تملك ثمن الدواء، فتبكي في سجودها ضراعةً لله، ثم تمسح دموعها وتخرج لهم بوجه ضاحك كأنها ملكة تملك كل شيء.
تعرضت لاختبارات الصبر حين كان عليها الاختيار بين شراء رداء جديد لنفسها أو دفع رسوم دراسية؛ فكانت النتيجة دائماً هي الإيثار.
عاشت سنواتها في عزلة كفاح، ترفض الشفقة وتعتز بكرامتها، حتى أصبح بيتها الصغير المتواضع جامعةً للقيم والمبادئ قبل أن يكون سكناً.
ثمارٌ من نور
دارت عجلة الزمن، وكبر الصغار تحت جناح سيدة الضوء لم يخرجوا للحياة كأشخاص عاديين، بل كانوا نتاجاً لا مثيل له. كانوا يحملون في جيناتهم صمود أمهم، وفي أخلاقهم طهر دموعها.
في يوم تخرجهم الجماعي، وقف الابن الأكبر الذي صار جراحاً يشار إليه بالبنان، والابنة التي غدت باحثة في العلوم، والأصغر الذي تفوق في الأدب. لم ينظروا إلى منصة التكريم، بل شقوا الزحام ليمسكوا يد تلك السيدة التي بدت أصغر من أقرانها بجسدها المنهك، وأكبر من الكون بروحها.
انحنى الجراح أمام الآلاف ليقبل قدمها المتعبة، قائلاً بصوت اهتزت له القاعة: "هذه هي القائد الحقيقي، نحن مجرد أوسمة على صدر كفاحها". في تلك اللحظة، أدرك الجميع أن مريم لم تكن تربي أولاداً، كانت تبني وطناً بداخلهم.
العرش غير المرئي
في نهاية المطاف، لم تكن قصة هذه الأم مجرد حكاية عن امرأة ربت أولادها وحدها، بل كانت برهاناً حياً على أن القيادة لا تحتاج إلى جيوش أو منصات، بل إلى قلبٍ يعرف كيف يحترق ليضيء للآخرين.
لقد أثبتت للعالم أن النتاج الذي لا مثيل له لا يأتي من وفرة المال، بل من وفرة الكرامة وسهر الليالي.
رحلت سنوات الشقاء، وبقيت هي شامخة كأشجار السنديان، تنظر إلى ثمارها التي أصبحت قامات يُشار إليها بالبنان، فتدرك أن معركتها الصامتة كانت أشرس وأشرف معارك الوجود. لقد زرعت في القحط، فسقى الله زرعها من فيض صبرها، حتى غدا بيتها المتواضع منارةً، وأبناؤها جيشاً من القيم يمشي على الأرض.
إنها القائدة التي انتصرت دون أن تطلق رصاصة واحدة، سوى سهام دعائها وعرق جبينها. ستبقى قصتها فصلاً خالداً في كتاب الإنسانية، يذكرنا دائماً أن وراء كل عظيم لم يكسره اليتم أو الحاجة، سيدة ضوء رفضت أن تنطفئ، فأنارت بصلابتها دروب أمة بأكملها.








اضافةتعليق
التعليقات