في الثالث عشر من رجب، لم تنفرج جدران الكعبة لتستقبل حدثاً عابراً، بل انشقت لتؤذن ببزوغ فجرٍ إنسانيٍّ متجدد.
إن نداء يا علي الذي تلهج به الألسن ليس مجرد استغاثة عاطفية، بل هو استمدادٌ واعي من طاقة الحق التي جسّدها عليّ في سكناته وحركاته. فعندما تضيق بالروح السبل، تجد في ذكر ابي تراب ملاذاً يستنهض فيها اليقين، ويمنحها القوة والثبات على المبدأ في مهبّ الأزمات.
عليّ: مدرسة التوازن الإنساني
تكمن عبقرية شخصية أمير المؤمنين في ذلك المزيج الفريد الذي ندر أن يجتمع في رجل واحد؛ فهو الفارس الذي لا يُشق له غبار في سوح الوغى، وهو أبو اليتامى الذي تفيض عيناه دمعاً رأفةً بضعيف.
هو القاضي الذي جعل العدل ميزانه الأوحد، والزاهد الذي طلق الدنيا ليعطي درساً خالداً في أن السلطة ليست امتيازاً للاستعلاء، بل وسيلة لإحقاق الحق ونصرة المظلوم.
رسائل وليد الكعبة إلى الشباب
تتجاوز ذكرى ميلاد الإمام حدود الاحتفاء الرمزي، لتصبح بوصلةً حقيقية للشباب الساعي لبناء ذاته في عصر التحديات، مستلهماً من سيرته ثلاث ركائز كبرى:
سلطان العلم: يرسخ الإمام قاعدة: العلم سلطان ومن هنا فإن النصيحة الأهم للشباب هي جعل المعرفة والبحث المستمر سلاحهم الاستراتيجي، ففي زمن المعلومات، القوة الحقيقية تكمن في الوعي لا في مجرد حيازة الأوراق والشهادات.
عزة النفس والعمل: جسّد الإمام أسمى معاني الكرامة بكدّ يده وحفر الآبار رغم عظيم مقامه، ليعلم الشباب أن قيمة المرء تُقاس بما يُنتجه ويبدعه، وأن العمل الشريف هو الحصن المنيع لعزة النفس.
صلابة المبدأ وعفة الروح: في عالمٍ تتقاذفه الأمواج الفكرية والمغريات، تبرز الحاجة للاقتداء بشجاعة عليّ في قول الحق وعفّته عن الدنايا، واختيار الصحبة التي تكون مرآةً صادقة تسمو بالخلق والروح.
ختاما : إنَّ ذكرى ميلاد أمير المؤمنين (عليه السلام) هي استنهاضٌ للوعي الإنساني في أسمى تجلياته حين نهتف يا علي، فإننا نستحضر منهجاً متكاملاً يوازن بين قوة الحق ورحمة الإنسانية، وبين سمو الروح وعمارة الأرض. إنها دعوة مفتوحة للجيل الصاعد وللأمة جمعاء للاغتراف من بئر حكمته التي لا تنضب ليكون ميلاده في أرواحنا تغييراً نحو الأكمل، وثباتاً على القيم في زمن المتغيرات
فسلامٌ على وليد الكعبة الذي علّم الدنيا أن العظمة تبدأ بعبودية الله، وتنتهي بخدمة خلقه، وبينهما تكمن قوة الروح التي لا تُقهر.








اضافةتعليق
التعليقات