ليست قصص القرآن سرداً تاريخياً معزولاً عن الحاضر، بل مفاتيح لفهم سنن تتكرر بأشكال مختلفة عبر الزمن. ومن بين هذه القصص، تبرز قصة أصحاب الكهف بوصفها نموذجاً فريداً للغياب الذي لا يعني الانقطاع، وللاحتجاب الذي يحمل في جوهره حفظاً للرسالة لا تعطيلاً لها.
ومن هذا المنطلق، يلوح في الوعي الإيماني رابطٌ معنوي عميق بين قصة أصحاب الكهف، وفكرة الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، بوصفها إحدى تجليات الحضور الإلهي في زمن الغياب.
يحكي القرآن الكريم عن فئة آمنت بربها في زمن طغيان، فاختارت الانسحاب من واقع فاسد حفاظاً على العقيدة، لا هروباً من المسؤولية. يقول تعالى:
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾
فالانطلاق كان إيماناً واعياً، لا عزلة سلبية. ثم كان الكهف مساحة للحفظ الإلهي، حيث دخلوا زمناً مختلفاً عن زمن الناس، وغابوا عن المشهد، لكنهم لم يغيبوا عن العناية.
هذا المعنى ذاته يتردد في الوعي المتصل بالإمام المهدي؛ فغيبة الإمام لا تُفهم بوصفها غياباً عن مشروع الهداية، بل نمطاً آخر من الحضور، تحكمه الحكمة الإلهية. كما حفظ الله أصحاب الكهف في زمن النوم الطويل، يحفظ الإمام المهدي في زمن الغيبة، ليكون الظهور في لحظة اكتمال الشروط، لا في لحظة الاستعجال.
ويُلفت القرآن الانتباه إلى أن غياب أصحاب الكهف لم يكن فراغاً، بل كان زمناً فاعلاً في مسار الرسالة. فاستيقاظهم لم يكن عودة أفراد فحسب، بل بعثاً لقضية، وتذكيراً بحقيقة البعث والقدرة الإلهية. يقول تعالى:
﴿وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾
فالبعث هنا لم يكن عبثياً، بل حاملاً لمعنى يتجاوز الأشخاص إلى المجتمع.
وفي هذا السياق، يُفهم الظهور الموعود للإمام المهدي بوصفه بعثاً للقيم التي غُيّبت، لا مجرد حضور شخصي. فالغاية ليست كسر الغياب، بل إحياء العدل، كما لم تكن غاية استيقاظ أصحاب الكهف مجرد العودة إلى الحياة، بل إيقاظ الوعي الجمعي على حقيقة غابت عنه طويلاً.
كما أن أهل المدينة اختلفوا في عدد أصحاب الكهف، وتفاصيل قصتهم، فإن الناس يختلفون اليوم في تفاصيل الغيبة، وأوقاتها، وحدود فهمها. وقد سجّل القرآن هذا الاختلاف بقوله:
﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ…﴾
ثم ختم الجدل بقوله:
﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾
وكأن النص يعلّم الإنسان أن الانشغال بالتفاصيل الغيبية على حساب المعنى هو انحراف عن المقصد.
فالدرس الأعمق في قصة أصحاب الكهف ليس عددهم، ولا طول مكثهم، بل الثقة بأن الله يدبّر شؤون عباده وفق سنن لا تخضع لمنطق الاستعجال البشري. وهو درس يتقاطع بوضوح مع فلسفة الانتظار في قضية الإمام المهدي؛ حيث لا يكون الإيمان الحقيقي في السؤال عن الموعد، بل في الاستعداد لما بعده.
وتبرز نقطة التلاقي الأهم في أن الغيبة، في كلا النموذجين، ليست هروباً من الواقع، بل حفظاً للفكرة حتى يحين زمنها. أصحاب الكهف لم يُهزموا، بل أُجّل حضورهم، والإمام المهدي لم يُغيَّب عجزاً، بل حُجب لحكمة، ليكون ظهوره اكتمالاً لمسار، لا ردّة فعل على واقع مضطرب.
في النهاية، يضعنا الربط بين الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، وأصحاب الكهف أمام حقيقة إيمانية عميقة: أن الغيب ليس غياباً عن الفعل، وأن الزمن لا يُقاس بطوله، بل بما يُنجزه في وعي الإنسان. فكما كان الكهف طريقاً إلى البعث، تكون الغيبة طريقاً إلى الظهور، وكما حفظ الله أولئك الفتية في صمت الزمن، يحفظ وعده بالعدل في صمت الانتظار.
وما بين الكهف والظهور، يتعلّم المؤمن أن الثقة بحكمة الله هي أصدق أشكال الحضور.








اضافةتعليق
التعليقات