ليس كل نجاح يُرى، وليس كل إنجاز يجد من يصفق له. في زحمة الأضواء، اعتدنا أن نربط النجاح بالمظاهر الصاخبة، والاعتراف العلني، والنتائج القابلة للعرض. لكن هناك نوعاً آخر من النجاح، أكثر هدوءاً وأعمق أثراً، هو النجاح الذي لا يُحتفل به؛ ذلك الذي يتحقق بصمت، ويمرّ دون تهنئة، رغم أنه يغيّر حياة صاحبه من الداخل.
هذا النجاح لا يظهر في الصور، ولا يُكتب عنه في العناوين، ولا يُقاس بالأرقام وحدها. قد يكون تجاوز أزمة نفسية، أو الاستمرار رغم الإنهاك، أو اتخاذ قرار صعب بالانسحاب من مسار مؤذٍ. قد يكون تعلم قول “لا” بعد سنوات من المجاملة، أو بناء حدود صحية في علاقة مرهِقة. إنها إنجازات لا تُدرَّس، ولا تُكافأ اجتماعياً، لكنها تحتاج إلى شجاعة حقيقية.
في كثير من الأحيان، لا يُحتفل بهذا النوع من النجاح لأنه لا ينسجم مع القالب السائد للإنجاز. المجتمع يميل إلى تقدير ما يمكن عرضه ومقارنته: منصب، لقب، دخل، شهرة. أما النجاحات الداخلية، فتُعدّ شؤوناً شخصية، أو تُختزل في عبارة عابرة مثل “هذا واجبك” أو “كان يجب أن تفعل ذلك منذ البداية”. وهكذا يُحرَم الإنسان من الاعتراف بجهده، حتى من نفسه أحياناً.
النجاح الذي لا يُحتفل به يرتبط غالباً بالتحولات البطيئة. هو نتيجة تراكم اختيارات صغيرة، ومقاومة صامتة، وصبر طويل. لا يحدث دفعة واحدة، بل يتشكل عبر محاولات، وانتكاسات، وإعادة ترتيب للأولويات. وربما لهذا السبب لا يلفت الانتباه، لأنه لا يحمل لحظة ذروة واضحة، بل مساراً متدرجاً لا يراه إلا صاحبه.
وسائل التواصل الاجتماعي زادت من تهميش هذا النوع من النجاح. فثقافة العرض السريع تفضّل الإنجاز اللحظي، والقصة المختصرة، والنتيجة النهائية. لا مكان تقريباً لسرد المعارك الداخلية، أو النجاحات غير القابلة للتصوير. في عالم يُكافئ الظهور، يصبح الصمت علامة على الغياب، حتى لو كان مليئاً بالإنجاز.
لكن غياب الاحتفال لا يعني غياب القيمة. على العكس، كثير من النجاحات التي لا يُحتفل بها هي أساس النجاحات اللاحقة. فمن يتعلم الصبر، أو يشفى من خوفه، أو يعيد بناء ثقته بنفسه، يكون قد وضع حجر الأساس لمسار أكثر استقراراً. غير أن هذا التأسيس الصامت لا يجد اعترافاً، لأنه لا يُقاس فوراً.
المفارقة أن الإنسان نفسه قد يشارك المجتمع هذا التجاهل. فكثيرون يقللون من قيمة ما أنجزوه، لأنهم تعلّموا أن النجاح الحقيقي يجب أن يكون “أكبر”، أو “أوضح”، أو “أكثر إثارة للإعجاب”. فيؤجلون الفرح، وينتظرون إنجازاً آخر، ثم آخر، دون أن يتوقفوا للاعتراف بما قطعوه من طريق.
نفسياً، هذا الإنكار المستمر يترك أثراً. فعدم الاحتفال بالنجاحات الصغيرة يُضعف الدافعية، ويعزز الشعور بعدم الكفاية، حتى لدى من يحقق تقدماً حقيقياً. بينما الاعتراف الذاتي بالإنجاز، مهما بدا بسيطاً، يمنح شعوراً بالإنجاز والاستحقاق، ويعيد التوازن بين الجهد والتقدير.
إعادة الاعتبار للنجاح الذي لا يُحتفل به تبدأ بتغيير زاوية النظر. يبدأ حين نعترف بأن النجاة إنجاز، وأن الاستمرار قرار شجاع، وأن التغيير الداخلي لا يقل قيمة عن التقدّم الخارجي. كما يبدأ حين نمنح أنفسنا حق الفرح، حتى لو لم يشاركه الآخرون، وحق التوقف لتقدير ما تحقق.
وفي المجتمع، نحن بحاجة إلى خطاب أوسع للنجاح، يعترف بالتنوع، ويقدّر المسارات المختلفة، ولا يحصر القيمة في مظاهر محددة. فحين نحتفي بالإنسان لا بالصورة، وبالمسار لا بالنتيجة فقط، نخلق بيئة أكثر عدلاً وإنسانية.
في النهاية، النجاح الذي لا يُحتفل به هو في جوهره انتصار هادئ على الذات والظروف. قد لا يُلاحظ، لكنه يُغيّر. وقد لا يُصفَّق له، لكنه يستحق التقدير. وربما أهم احتفال يمكن أن يناله، هو أن يعترف به صاحبه، ويمنحه مكانه المستحق في قصته الخاصة.








اضافةتعليق
التعليقات