لا يمكنك أن تبدأ في سعيك نحو تحقيق الرضا في الحياة إلا من خلال تحمل عبء مسؤولية تفكيرك الخاص وهو ما يعد الجوهر الأساسي للتفكير البناء وإذا كنت تنعم بحياة كريمة، فالأساس أن تتحمل مسؤولية نفسك كاملة، فليس مطلوباً منك أن تتحمل مسؤولية كل شيء يجري في هذا العالم، ولكن كل شيء يدور في عقلك، إذ لا يوجد سوى شيء واحد في هذا العالم يمكنك أن تتحكم فيه من منطلق طبيعتك كإنسان، وهو الأفكار التي تختارها.
من المثير للاهتمام، أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتميز عن غيره من الكائنات الموجودة في هذا العالم بقدرته على اختيار الأفكار التي يفكر بها عقله، في أي وقت وأي مكان، إذ لا يوجد حيوانات سواء أكانت أسود أم نمور أم حتى فئران تتمتع بتلك الإرادة الحرة ويعد بقاء الفصائل الدنيا من الحيوانات ناتجاً عن غرائزها وقدرتها على التكيف مع الطبيعة، ولا يختلف البشر عن هذا فوجودهم يعتمد أيضاً على غرائزهم وقدرتهم على التكيف مع البيئة المحيطة، ولكن يستطيع الإنسان أن يتخلى عن غرائزه الفطرية وتأثير البيئة المحيطة به من خلال تحصيل المعرفة المناسبة وسوف نوضح هذا الأمر فيما يأتي.
ضرورة السمو فوق العوامل الاجتماعية والوراثية
لا توجد وسيلة يمكن لشخص أن يصل بها إلى داخل رأس شخص آخر ليفرض عليه اختيار فكرة معينة، ولا حتى جراحات المخ من الممكن إجراء محاولة، بل هناك بالفعل محاولات قام بها كثير من الأشخاص، ولكن الخيار الأخير لما تفكر فيه يعود لك أنت وحدك، قد يحاول شخص أن يقنعك بالتفكير في أمر معين بالتأثير عليك بالكلمات، ولكن لا يستطيع أكثر الأشخاص بلاغة في جميع أنحاء العالم أن يجبرك على اختيار فكرة يقترحها أو يفرضها عليك، قد يؤثر غيرك من الأشخاص أو الظروف المحيطة بك في الأفكار التي تتبادر إلى ذهنك ولكن عند التحليل النهائي، نجد أن اختيار الفكرة لا زال بيدك أنت وحدك ومن هذا المنطلق نجد أن الإنسان يتمتع بطاقة شخصية هائلة، خاصة به دون غيره، ولكنه يتحمل في الوقت نفسه عب مسئولية ثقيلة في الطريقة التي يختار أن يعيش بها حياته.
يتسم الشخص الذي يتميز بالتفكير البناء بقدرته على السمو فوق العوامل الاجتماعية بل والوراثية، متى اقتضت الضرورة، وينجح في القيام بذلك من حين لآخر عندما تقتضي الظروف ذلك وتختلف العوامل الوراثية عن العوامل الاجتماعية في أن الإنسان يولد بها، في حين أن العوامل الاجتماعية يكتسبها الإنسان في السنوات الخمس أو الست الأولى من حياته وهي ما يطلق عليها سنوات التكوين، والعوامل الاجتماعية هي السبب وراء ظهور أفكار معينة في ذهنك، لكن يمكنك التغلب على سيطرة العوامل الاجتماعية من خلال نوع سريع من التنويم الذاتي مصحوباً بقوة الإرادة، وتتمكن في النهاية من اختيار الأفكار التي ترغب فيها بغض النظر عن الوقت أو المكان.
ينطبق هذا الأمر أيضاً على العوامل الوراثية، فكر مثلاً في مشكلة البدانة التي تؤرق كثيراً من الأشخاص، هناك الملايين من الذين استخدموا كثيراً من أنواع الأنظمة الغذائية في أثناء مرحلة البلوغ، لنجد أن بعض الخبراء يرون أن بعض الأشخاص يرثون عدداً من خلايا الدهون أكثر من غيرهم، ويعتبرون أن عدد خلايا الدهون الغزير هو أكثر الأسباب في استعداد الشخص للسمنة وعدم القدرة على التخلص منها .
أسباب زيادة الوزن
أنت من تحضر الطعام المليء بالدهون وأنت من تتناوله وأنت أيضا من تهضمه، فإذا وضعت هذه الفكرة في ذهنك ستعرف أنه لا يمكن أن تكتسب وزنا زائدا، فلا يمكنك في الواقع أن تلوم خلايا الدهون الوراثية أو الكعكة اللذيذة أو أي شيء آخر في اختيارك للأفكار التي دفعتك إلى تناول الطعام المليء بالدهون، نحن أشخاص بالغون ولم يجبرنا أحد على إدخال الطعام في أفواهنا، وأفكارنا هي التي تصور لنا أننا ضحية إذا أفرطنا في تناول الطعام لكن لحسن الحظ، يمكننا أن نتعلم كيف نختار الأفكار التي تعمل لصالحنا بدلاً من تلك التي تضرنا ويحتاج هذا بالطبع إلى ممارسة.
فقدت إحدى العميلات كمية كبيرة من وزنها من خلال تطبيق أسلوب التفكير البناء على مشكلة الإفراط في تناول الطعام، كان الخبز بالزبيب هو السبب الذي أدى إلى هذه المشكلة ولكن بمجرد أن بدأت في التخيل أن الزبيب يتحرك في الخبز!، توقفت بسرعة عن تناوله وفقدت أكثر من ۱۱ كيلو جرام من وزنها.
تتألف حياتنا من لحظة من الحاضر تليها أخرى وأخرى إلى أجل معين، وأنت تقوم خلال كل لحظة منها باختيار الأفكار التي تريدها بصورة متنوعة، سواء أكان هذا بعقلك الواعي أم بعقلك الباطن، ويمكنك أن تستبدل إحساس عدم الرضا أو السلوك الانهزامي بصورة إرادية فيمكنك أن تختار أفكاراً بديلة، أفكاراً أكثر فاعلية تسمح لك بانتهاج سلوكيات بناءة، وأعتقد أنه ستغمرك الراحة عندما تعلم أنه يمكنك السيطرة على مشاعرك وسلوكك باللجوء بكل بساطة إلى التفكير البناء.
العلاقة بين الأفكار والمشاعر
من المسلم به في مجال الطب أنه عند غياب الفكرة المرتبطة بشعور ما، لا يمكنك الإحساس بهذا الشعور والفكرة هي التي تختارها بعد إرسال النبضات العصبية إلى المخ الذي يوضح لك ما يحدث، أي ما ينبغي أن تشعر به أو ما لا ينبغي أن تشعر به، وكأن أفكارك تقول هذا شعور تمر به الآن هذا شعور بالألم فأنقله فتشعر بالألم، وعندما تنظر إلى موضع قدمك، تلاحظ أنك وقفت على دبوس، لأن الفكرة هي التي تبعث فينا المشاعر وبدونها لن تنتابنا أي مشاعر على الإطلاق. وعلى أساس هذه الحقيقة، تعلم أطباء التخدير منذ زمن بعيد كيف يحولون دون إرسال الرسائل العصبية إلى المخ، حتى يمكن للجراحين أن يجروا العمليات على المرضى بينما نحن مستيقظون تماماً، تحت تأثير مخدر موضعي.
هل وجدت نفسك من قبل تتجنب الوقوع في حادث وأنت تقود سيارتك، فقمت بإدارة عجلة القيادة أو الضغط على المكابح بشكل غريزي دون أن تشعر بالخوف في اللحظة التي أتيت فيها هذه الخطوة على الفور؟ بالطبع نعم، ولكن بعد بضعة دقائق من انتهاء الأمر ترتجف أوصالك من الرعب من الواضح أن الأفكار التي اخترتها بعد الواقعة والتي خلقت لديك رد فعل عاطفي وهو الخوف في هذه الحالة ظهرت في صورة ارتجافك وتنطبق هذه القاعدة على جميع المشاعر، فإذا لم تختر أفكار ترتبط بالموقف الذي تتعرض له، لن تنتابك أي مشاعر على الإطلاق، فبدون الأفكار ستقل مرتبتك عن الحيوان. لذلك، حتى تشعر بأنك على ما يرام، فمن الضروري أن تركز على الأفكار التي تختارها وليس المشاعر ذاتها.
مثال آخر، إذا توفى أحد أصدقائك الأعزاء لكنك لم تعرف ذلك، فهل ستشعر بالحزن؟ غالباً لا، لكن إذا تلقيت بعد يومين خطاباً يخبرك بوفاته، فستشعر بالحزن الشديد، فأيهما كان السبب في حزنك، هل وفاة صديقك نفسها أم الأفكار التي راودتك عندما علمت بوفاته بعد يومين؟
هي أفكارك وليست وفاته نفسه هي السبب في حزنك وتنتابنا جميع مشاعرنا على هذا المنوال، فالأفكار هي التي تبعث فينا المشاعر وليس الأحداث.








اضافةتعليق
التعليقات